الصابوني أنه قال: إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يعرفون ربهم تبارك وتعالى بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله، وشهد له بها رسوله على ما وردت به الأخبار الصحاح ونقله العدول الثقات، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه ولا يكيفونها تكييف المشبه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية، وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنَّ عليهم بالتفهيم والتعريف، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واكتفوا بنفي النقائص بقوله عز من قائل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] ، وبقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص] ، وقال سعيد بن جبير: ما لم يعرفه البدريون فليس من الدين.
وثبت عن الربيع بن سليمان أنه قال: سألت الشافعي - رحمه الله - عن صفات الله تعالى؟ فقال: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى النفوس أن تفكر. وعلى الضمائر أن تعمق، وعلى الخواطر أن تحيط؛ وعلى العقول أن تعقل إلا ما وصف به نفسه أو على لسان نبيه - عليه الصلاة والسلام -.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في معرض جوابه عن سؤال هذا نصه: ما قولكم في مذهب السلف في الاعتقاد ومذهب غيرهم من المتأخرين؛ ما الصواب منهما؟ وما تنتحلونه أنتم من المذهبين؟ وفي أهل الحديث؛ هل هم أولى بالصواب من غيرهم؟ وهل هم المرادون بالفرقة الناجية؟ وهل حدث بعدهم علوم جهلوها وعلمها غيرهم؟ هذا نص السؤال.
قال - رحمه الله - في الإجابة عنه (23) : فمذهب السلف - رضوان الله عليهم: إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها. ونفي الكيفية عنها؛ لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات الصفات، وعلى هذا مضى السلف كلهم. فمن كان قصده الحق وإظهار الصواب اكتفى بما قدمناه. ومن كان قصده الجدال والقيل والقال والمكابرة لم يزده التطويل إلا خروجًا عن سواء السبيل. والله الموفق.
وقد ثبت ما ادعيناه من مذهب السلف - رضوان الله عليهم - بما نقلناه جملة عنهم وتفصيلًا، واعتراف العلماء من أهل النقل كلهم بذلك. ولم أعلم عن أحد منهم خلافًا في هذه المسألة، بل لقد بلغني عمن ذهب إلى التأويل لهذه الآيات والأخبار من أكابرهم الاعتراف بأن مذهب السلف فيها ما قلناه، ورأيته لبعض شيوخهم في كتابه قال:"اختلف أصحابنا في أخبار الصفات؛ فمنهم من أمرها كما جاءت من غير تفسير ولا تأويل مع نفي التشبيه عنها، وهو مذهب السلف"؛ فحصل الإجماع على صحة ما ذكرناه بقول المنازع - والحمد لله -.
أقول: وقوله:"من غير تفسير"؛ يعني تفسيرًا يخالف ظاهرها وهو التأويل الباطل، وإلا فهم يفسرونها بالمعنى الذي تدل عليه بالوضع اللغوي.
قال الشيخ: وما أحسن ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: عليك بلزوم السنة، فإنه لك بإذن الله عصمة، فإن السنة إنما جعلت ليُستن بها ويُقتصر عليها. وإنما سنها من قد عَلِم ما في خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا. ولهم كانوا على كشفها أقوى وبتفصيلها لو كان فيها أحرى؛ فإنهم لهم السابقون. وقد بلغهم عن