فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 400

بعضهم ويروى عن الشافعي: آمنت بما جاء عن الله وبما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مراد رسول الله. وعلموا أن المتكلم بها صادق لا شك في صدقة فصدقوه، ولم يعلموا حقيقة معناها"يعني كيفيتها"فسكتوا عما لم يعلموه. وأخذ ذلك الآخر عن الأول، ووصى بعضهم بعضًا بحسن الاتباع والوقوف حيث وقف أولهم وحذَّروا من التجاوز لهم والعدول عن طريقتهم، وبينوا لنا سبيلهم ومذهبهم، ونرجو أن يجعلنا الله تعالى ممن اقتدى بهم في بيان ما بينوه وسلوك الطريق الذي سلكوه.

والدليل على أن مذهبهم ما ذكرناه: أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم وأخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقل مصدق لها مؤمن بها قابل لها غير مرتاب فيها ولا شاك في صدق قائلها، ولم يفسروا ما يتعلق بالصفات منها ولا تأولوه"يعني تفسيرًا وتأويلًا يخالف ظاهرها"ولا شبهوه بصفات المخلوقين، إذ لو فعلوا شيئًا من ذلك لنقل عنهم ولم يجز أن يكتم بالكلية؛ إذ لا يجوز التواطؤ على كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته لجريان ذلك في القبح مجرى التواطؤ على نقل الكذب وفعل ما لا يحل. بل بلغ من مبالغتهم في السكوت عن هذا: أنهم كانوا إذا رأوا من يسأل عن المتشابه بالغوا في كفه، تارة بالقول العنيف، وتارة بالضرب، وتارة بالإعراض الدال على شدة الكراهة لمسألته.

ولذلك لما بلغ عمر - رضي الله عنه - أن صبيغًا يسأل عن المتشابه أعد عراجين النخل فبينما عمر يخطب قام فسأله عن: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا} [الذاريات] وما بعدها، فنزل عمر فقال: لو وجدتك محلوقًا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، ثم أمر به فضرب ضربًا شديدًا وبعث به إلى البصرة وأمرهم أن لا يجالسوه، فكان بها كالبعير الأجرب لا يأتي مجلسًا إلا قالوا: عزمة أمير المؤمنين فتفرقوا عنه حتى تاب وحلف بالله ما بقي يجد مما كان في نفسه شيئًا، فأذن عمر في مجالسته. فلما خرجت الخوارج أُتي فقيل له: هذا وقتك! فقال: لا. نفعتني موعظة العبد الصالح. ولما سئل مالك بن أنس - رحمه الله - فقيل له: يا أبا عبد الله! {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه] ؛ كيف استوى؟ فأطرق مالك وعلاه الرحضاء - يعني العرق - وانتظر القوم ما يجيء منه فيه. فرفع رأسه إلى السائل، وقال له: الاستواء غير مجهول. والكيف غير معقول. والإيمان به واجب. والسؤال عنه بدعة. وأحسبك رجل سوء، وأمر به فأخرج. ومن أوَّل الاستواء بالاستيلاء فقد أجاب بغير ما أجاب به مالك وسلك غير سبيله، وهذا الجواب من مالك - رحمه الله - شاف كاف في جميع الصفات مثل النزول والمجيء واليد والوجه وغيرها. فيقال من مثلٍ: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وهكذا يقال في سائر الصفات؛ إذ هي بمثابة الاستواء الوارد به الكتاب والسنة.

وثبت عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال: اتفق الفقهاء كلهم من الشرق والغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صفة الرب - عز وجل - من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه؛ فمن فسر شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وفارق الجماعة؛ فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا. فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة. انتهى قول محمد بن الحسن.

ومعنى قوله: من غير تفسير؛ أي: لا تفسر تفسير يخالف ظاهرها ومدلولها كتفسير اليد بالنعمة والوجه بالذات وغير ذلك.

قال شيخ الإسلام معلقًا على قول محمد بن الحسن هذا: فانظر رحمك الله إلى هذا الإمام كيف حكى الإجماع على هذه المسألة. ولا خير فيما خرج عن إجماعهم، ولو لزم التجسيم من السكوت عن تأويلها لفروا منه وأولوا ذلك؛ فإنهم أعرف الأمة بما يجوز على الله وما يمتنع عليه. وثبت عن إسماعيل بن عبد الرحمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت