ولفظ المشركين يذكر مفردًا في مثل قوله: {وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] ، وهل يتناول أهل الكتاب؟ فيه قولان مشهوران للسلف والخلف. والذين قالوا بأنها تعم؛ منهم من قال بأنها محكمة كابن عمر والجمهور.
يجري الشيخ (176) -رحمه الله- مقارنة بين لفظ الكفر والنفاق والشرك، وأهل الكتاب والمشركين، فيقول:
فالكفر إذا ذكر مفردًا في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون؛ كقوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 5] ، وذكر نصوصًا من القرآن تدل على ذلك، ثم قال: فهذه كلها يدخل فيها المنافقون الذين هم في الباطن كفار ليس معهم من الإيمان شيء، كما يدخل فيها الكفار المظهرون للكفر، بل المنافقون في الدرك الأسفل من النار، كما أخبر الله بذلك في كتابه، ثم يقرن الكفر بالنفاق في مواضع، ففي أول البقرة ذكر أربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين، وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140] ، وقال: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} إلى قوله: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَاوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحديد] ، وقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73] في سورتين، وقال: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الحشر: 11] الآية.
وكذلك لفظ المشركين قد يقرن بأهل الكتاب فقط، وقد يقرن بالملل الخمس؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [التوبة] ، والأول"أي قرْن المشركين مع أهل الكتاب"؛ كقوله: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة] ، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة] ، وقوله: {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران] ، وليس أحد بعد مبعث محمد -صلى الله عليه وسلم- إلا من الذين أوتوا الكتاب والأميين. وكل أمة لم تكن من أهل الكتاب فهم من الأميين، كالأميين العرب ومن الخزر والصقالبة والهند والسودان وغيرهم من الأمم الذين لا كتاب لهم؛ فهؤلاء كلهم أميون. والرسول مبعوث إليهم كما بعث إلى الأميين من العرب.
ثم انتقل الشيخ إلى مسألة فقهية، وهي من ينطبق عليه اسم أهل الكتاب، فقال:
وقوله: {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 20] ، وهو إنما يخاطب الموجودين في زمانه بعد النسخ والتبديل يدلّ على أن من دان بدين اليهود والنصارى فهو من الذين أوتوا الكتاب، لا يختصّ هذا اللفظ بمن كانوا متمسكين به قبل النسخ والتبديل ممن أوتوا الكتاب، فكذلك غيرهم إذا كانوا كلهم كفارًا وقد جعلهم من الذين أوتوا الكتاب، بقوله: {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 20] ، وهو لا يخاطب بذلك إلا من بلغته رسالته لا من مات، فدلّ على أن قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} [المائدة: 5] ،