فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 400

ما زلنا نقتبس من رسالته القيمة:"الواسطة بين الحق والخلق"، وقد انتهينا فيها إلى موضوع الدعاء حيث قال (12) - رحمه الله: والدعاء مشروع أن يدعو الأعلى للأدنى والأدنى للأعلى، ومراده ما دام الداعي على قيد الحياة، أما بعد الموت فإنه لا يطلب من الميت دعاء ولا غيره، ولهذا قال: فطلب الشفاعة والدعاء من الأنبياء كما كان المسلمون يستشفعون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستسقاء ويطلبون منه الدعاء، بل وكذلك العباس بعده؛ استسقى عمر والمسلمون بالعباس عمه (13) ، والناس يطلبون الشفاعة يوم القيامة من الأنبياء، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - سيد الشفعاء، وله شفاعات يختص بها، ومع هذا فقد ثبت في"الصحيحين" (14) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ذلك العبد؛ فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة) . وقد قال لعمر لما أراد أن يعتمر وودعه: (يا أخي! لا تنسني من دعائك) (15) ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد طلب من أمته أن يدعوا له، ولكن ليس ذلك من باب سؤالهم بل أمره بذلك لهم كأمره بسائر الطاعات التي يثابون عليها مع أنه - صلى الله عليه وسلم - له مثل أجورهم في كل ما يعملون فإنه قد صح عنه أنه قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا) (16)

وهو داعي الأمة إلى كل هدى فله أجورهم في كل ما اتبعوه فيه، وكذلك إذا صلوا عليه فإن الله يصلي على أحدهم عشرًا، وله مثل أجورهم مع ما يستجيبه من دعائهم له؛ فذلك الدعاء قد أعطاهم الله أجرهم عليه وصار ما حصل له من النفع نعمة من الله عليه، وقد ثبت في الصحيح أنه قال: (ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به مَلَكًا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين، ولك مثل ذلك) (17) وفي حديث آخر: (أسرع الدعاء دعوة غائب لغائب) (18)

فالدعاء للغير ينتفع به الداعي والمدعو له وإن كان الداعي دون المدعو له، فدعاء المؤمن لأخيه المؤمن ينتفع به الداعي والمدعو له فمن قال لغيره: ادع لي وقصده انتفاعهما جميعًا بذلك؛ كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى، فهو نبه المسئول وأشار عليه بما ينفعهما بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى، فيثاب المأمور على فعله والآمر أيضًا يُثاب مثل ثوابه.

إلى أن قال: والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين، عباد الأوثان؛ كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى حيث قال: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] ، إلى أن قال: وقد بيّن الله هذا التوحيد في كتابه وحسم مادة الشرك حتى لا يَخافُ أحد غير الله ولا يرجو سواه ولا يتوكل إلا عليه، فقال تعالى: {فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [المائدة: 44] ، {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] ؛ أي: يخوفكم أولياءه، إلى أن قال - رحمه الله:

ومع علم المؤمن أن الله رب كل شيء ومليكه فإنه لا ينكر ما خلقه الله من الأسباب كما جعل المطر سببًا لإنبات النبات، قال الله تعالى: وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت