والله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأشياء إنما تكون بمشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو إذا نفع العباد بعضهم على بعض فجعل هذا يُحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه، ونحو ذلك؛ فهو الذي خلق ذلك كله وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن الداعي الشافع إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده أو يُعلمه ما لم يكن يعلم ومن يرجوه الرب أو يخافه، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت. اللهم ارحمني إن شئت. ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مُكره له) (9)
والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه، كما قال تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] وقال: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] .
وهذا بخلاف الملوك فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك، وقد يكون شريكًا في الملك، وقد يكون مظاهرًا لهم معاونًا لهم على ملكهم، وهؤلاء يشفعون عند الملوك بغير إذنهم، والملوك تقبل شفاعتهم تارة لحاجتهم إليهم، وتارة لخوفهم منهم، وتارة لجزاء إحسانهم إليهم ومكافأتهم.
والله تعالى لا يرجو أحدًا ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد، بل هو الغني، قال تعالى: {أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [يونس: 66] ، والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة، يعني عند الملوك في الدنيا، قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] ، وأخبر أن المشركين قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] .
ثم بيّن الشيخ (10) - رحمه الله - دعاء الخلق بعضهم لبعض شفاعة، ولكن لا بد لهذا الدعاء من شروط، وهي: أن يكون المدعو له مسلمًا غير مشرك، وأن يدعو الداعي بما يصلح، فقال: ولا ريب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع، والله قد أمر بذلك لكن الداعي الشافع ليس له أن يدعو ويشفع إلا أن يأذن الله له في ذلك، فلا يشفع شفاعة نُهي عنها، كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة، قال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ} [التوبة] ، وقد ثبت في الصحيح (11) أن الله نهى نبيه عن الاستغفار للمشركين والمنافقين، وأخبر أنه لا يغفر لهم كما في قوله: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] وقوله: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] ، وقد قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] ؛ أي: في الدعاء. ومن الاعتداء في الدعاء أن يسأل العبد ما لم يكن الرب ليفعله، مثل: أن يسأله منازل الأنبياء وليس منهم، أو المغفرة للمشركين، ونحو ذلك، أو يسأله ما فيه معصية لله كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان.
وكل داع فهو شافع، ولا يكون دعاؤه وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره ومشيئته وهو الذي يجيب الدعاء ويقبل الشفاعة فهو الذي خلق السبب والمسبب، والدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله - سبحانه وتعالى -. وإذا كان كذلك فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، بل العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله - سبحانه وتعالى -، والله يقدّر له من الأسباب من دعاء الخلق وغيرهم.