فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 400

وسابعها (33) وفيه التفسير وهو أن يقال: أما الخضوع والقنوت بالقلوب والاعتراف بالربوبية والعبودية فهذا لا يكون على الإطلاق إلا لله سبحانه وتعالى وحده وهو في غيره ممتنع باطل، وأما السجود فشريعة من الشرائع؛ إذا أمرنا الله تعالى أن نسجد له، ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير طاعة لله ـ عز وجل ـ إذا أحب أن نعظم من سجدنا له، ولو لم يفرض علينا السجود له لم يجب البتة فعله فسجود الملائكة لآدم عبادة لله طاعة لله وقربة يتقربون بها إليه، وهو أقدم تشريف وتكريم وتعظيم، وسجود إخوة يوسف له تحية وسلام.

ألا ترى أن يوسف عندما سجد لأبويه تحية لم يكره له؟ ولم يأت أن آدم سجد للملائكة، بل لم يؤمر آدم وبنوه بالسجود إلا لله رب العالمين ولعل ذلك - والله أعلم بحقائق الأمور - لأنهم أشرف الأنواع وهم صالحو بني آدم وليس فوقهم أحد يحسن السجود له إلا لله رب العالمين. وهم أكفاء بعضهم لبعض فليس لبعضهم مزية بقدر ما يصلح له السجود، ومن سواهم فقد جد لهم من الملائكة للأب الأقوم ومن البهائم للابن الأكرم.

وأما قولهم: لم يسبق لآدم ما يوجد الإكرام له بالسجود؛ فلغو من القول هذا إلى ما به من اعتزال الجماعة فإن نعم الله تعالى وأياديه وآلاءه على عباده ليست بسبب منهم فهو المنعم بذلك السبب.

وقوله: {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206] ؛ فإنه إن سلم أنه يفيد الحصر فالقصد منه - والله أعلم - الفصل بينهم وبين البشر الذين يشركون بربهم ويعبدون غيره، فأجبرهم أن الملائكة لا تعبد غيره ثم هذا عام وتكون الآية خاصة فيستثني آدم. ثم يقال: السجود على ضربين: عبادة محضة وسجود تشريف. فأما الأول فلا يكون إلا لله، والآية محمولة عليه.

ثم أجاب الشيخ (34) ـ رحمه الله ـ عما جاء في السؤال: هل سجد لآدم ملائكة السماء والأرض أم ملائكة الأرض خاصة؟ بأن ظاهر الكتاب العزيز أنه سجد له عموم الملائكة؛ فإن الاسم المجموع المعرف بالألف واللام يوجب استيعاب الجنس، قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ} [البقرة: 34] ؛ فسجود الملائكة يقتضي جميع الملائكة، هذا مقتضى اللسان الذي نزل به القرآن، فالعدول عن موجب القول العام إلى الخصوص لا بد له من دليل يصلح له وهو معدوم.

ثم قال: وقد بلغني عن بعض السلف أنه قال: ما ابتدع قوم بدعة إلا في القرآن ما يردها، ولكن لا يعلمون. فلعل قوله: {كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] جيء به الزعم زاعم يقول: إنما سجد له بعض الملائكة لا كلهم، وكانت هذه الكلمة ردًا لمقالة هؤلاء، ومن اختلج في سره وجه الخصوص بعد هذا التحقيق والتوكيد فليعز نفسه في الاستدلال بالقرآن والفهم.

سئل ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن خديجة وعائشة أمي المؤمنين أيهما أفضل؟ فأجاب (35) : بأن سبق خديجة وتأثيرها في أول الإسلام ونصرها وقيامها في الدين لم تشركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت