إنما كان لله، وجعل آدم قبلة لهم يسجدون إليه كما يسجد إلى الكعبة، وليس في هذا تفضيل له عليهم؛ كما أن السجود على الكعبة ليس فيه تفضيل للكعبة على المؤمن عند الله، بل حرمة المؤمن عند الله أفضل من حرمتها، وقالوا: السجود لغير الله محرم، بل كفر.
والجواب: أن السجود كان لآدم بأمر الله وفرضه بإجماع من يسمع قوله، ويدل على ذلك وجوه:
أحدها: قوله: لآدم، ولم يقل: إلى آدم، وكل حرف له معنى، ومن التمييز في اللسان أن يقال: سجدت له وسجدت إليه؛ كما قال تعالى: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37] وقال: {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [النحل: 49] وأجمع المسلمون على أن السجود لغير الله محرم. وأما الكعبة فقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلي إلى بيت المقدس ثم صلى ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الكعبة، وكان يصلي إلى عنزة (31) ولا يقال: لعنزة، وإلى عمود وشجرة، ولا يقال: لعمود ولا لشجرة، والساجد للشيء يخضع له بقلبه ويخشع له بفؤاده، وأما الساجد إليه فإنما يولي وجهه وبدنه إليه ظاهرًا، كما يولي وجهه إلى بعض النواحي إذا أمه كما قال: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] .
والثاني: أن آدم لو كان قبلة لم يمتنع إبليس من السجود، أو يزعم أنه خير منه؛ فإن القبلة قد تكون أحجارًا، وليس في ذلك تفضيل لها على المصلين إليها، وقد يصلي الرجل إلى عنزة أو إلى رجل ولا يتوهم أنه مفضل بذلك، فمن أي شيء فر الشيطان؟ هذا العجب العجيب.
والثالث: أنه لو جعل آدم قبلة في سجدة واحدة لكانت القبلة وبيت المقدس أفضل منه بآلاف كثيرة إذ جعلت قبلة دائمة في جميع أنواع الصلوات؛ فهذه القصة الطويلة التي قد جعلت علمًا له، ومن أفضل النعم عليه والتي جاءت إلى العالم بأن الله رفعه بها وامتن عليه ليس فيها أكثر من أنه جعله كالكعبة في بعض الأوقات، ومع أن بعض ما أوتيه من الإيمان والعلم والعربية من الرحمن أفضل بكثير من الكعبة، والكعبة إنما وضعت له ولذريته. أفيجعل من جسيم النعم عليه أو يشبه به في شيء نزر قليل جدًا؟ هذا ما لا يقوله عاقل.
وأما قولهم: لا يجوز السجود لغير الله، فيقال لهم: إن قيلت هذه الكلمة على الجملة؛ فهي كلمة عامة تنفي بعمومها جواز السجود لآدم. وقد دل دليل خاص على أنهم سجدوا له، والعام لا يعارض ما قابله من الخاص.
وثانيها: أن السجود لغير الله حرام علينا وعلى الملائكة؛ أما الأول فلا دليل، وأما الثاني فما الحجة فيه؟"يعني على أن آدم جعل قبلة في السجود أو على منع السجود آدم وقد أمر الله به".
وثالثها: أنه حرام أمر الله به أو حرام لم يأمر به؛ والثاني حق ولا شفاء فيه وأما الأول فكيف يمكن أن يحرم بعد أن أمر الله تعالى به؟
ورابعها: أبو يوسف وإخوته خروا له سجدًا، ويقال: كانت تحيتهم: فكيف يقال: إن السجود حرام مطلقًا؟ وقد كانت البهائم تسجد للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والبهائم لا تعبد إلا الله؛ فكيف يقال: يلزم من السجود لشيء عبادته؟ وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها) (32) ومعلوم أنه لم يقل: (لو كنت آمرًا أحدًا أن يعبد) .