فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 400

وأما القسم الرابع: فهم سلف الأمة وأئمتها أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة؛ فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من غير تحريف للكلم. أثبتوا أن الله تعالى فوق سماواته وأنه على عرشه بائن من خلقه وهم بائنون منه، وهو أيضًا مع العباد عمومًا بعلمه. ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية وهو أيضًا قريب مجيب. وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل) (19) ؛ فهو سبحانه مع المسافر في سفره ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم. كما قال: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الفتح: 29] ؛ أي: معه على الإيمان، لا أن ذاتهم في ذاته بل هم مصاحبون له. وقوله: {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 146] ؛ يدل على موافقتهم في الإيمان وموالاتهم. فالله تعالى عالم بعباده وهو معهم أينما كانوا، وعلمه بهم من لوازم المعية كما قالت المرأة: زوجي طويل النجاد. عظيم الرماد. قريب البيت من الناد. فهذا كله حقيقة ومقصودها أن نعرف لوازم ذلك وهو طول القامة والكرم بكثرة الطعام، وقرب البيت من موضع الأضياف. وفي القرآن: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم} [الزخرف: 80] فإنه يراد برؤيته وسمعه إثبات علمه بذلك وأنه يعلم هل ذلك خير أم شر؟ فيثبت على الحسنات ويعاقب على السيئات. وكذلك إثبات القدرة على الخلق كقوله: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء} [العنكبوت: 22] ، وقوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت] ، والمراد التخويف بتوابع السيئات ولوازمها من العقوبة والانتقام، وهكذا كثيرًا مما يصف الرب نفسه بالعلم بالأعمال تحذيرًا وتخويفًا وترغيبًا للنفوس في الخير. ويصف نفسه بالقدرة والسمع والرؤية والكتاب فمدلول اللفظ مراد منه، وقد أريد أيضًا لازم ذلك المعنى.

وأما لفظ القرب فقد ذكره تارة بصيغة المفرد وتارة بصيغة الجمع فالأول إنما في إجابة الداعي: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} [البقرة: 168] وكذلك في الحديث: (اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) (20) ، وجاء بصيغة الجمع في قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] ، وهذا مثل قوله: {نَتْلُوا عَلَيْكَ} [القصص: 3] ، {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} [يوسف: 3] ، {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 17 - 19] ، فالقرآن هنا حين يسمعه من جبريل، والبيان هنا بيانه لمن يَبْلُغه القرآن. ومذهب سلف الأمة وأئمتها وخلفها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع القرآن من جبريل. وجبريل سمعه من الله عز وجل، وأما قوله: {نتلوا} {نقص} {فإذا قرأناه} هذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم الذي له أعوان يطيعونه، فإذا فعل أعوانه فعلًا بأمره قال: نحن فعلنا، كما يقول الملك: نحن فتحنا هذا البلد، وهزمنا هذا الجيش، ونحو ذلك؛ لأنه إنما يفعل بأعوانه. والله تعالى رب الملائكة وهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهو مع هذا خالقهم وخالق أفعالهم وقدرتهم وهو غني عنهم، وليس هو كالملك الذي يفعل أعوانه بقدرة وحركة يستغنون بها عنه؛ فكان قوله لما فعله بملائكته: نحن فعلنا؛ أحق وأولى من قول بعض الملوك، والله أعلم.

يتكلم الشيخ (21) -رحمه الله- عن ورود لفظ الجمع في القرآن في أفعال الله سبحانه كقوله: {أَنزَلْنَا} [البقرة: 99] {وَنَحْنُ أَقْرَبُ} [ق: 16] {نَتْلُوا عَلَيْكَ} [القصص: 3] وغير ذلك فيقول: وهذا اللفظ من المتشابه الذي ذُكر أن النصارى احتجوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- على التثليث لما وجدوا في القرآن: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ} [الفتح: 1] ونحو ذلك؛ فذمهم الله حيث تركوا المحكم من القرآن أن الإله واحد وتمسكوا بالمتشابه الذي يحتمل الواحد الذي معه نظيره، ويحتمل الواحد الذي معه غيره من أعوانه الذين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت