وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] ، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] . وقد افترق في هذا المقام أربع فرق:
فالجهمية النفاة الذين يقولون: ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا فوق ولا تحت، لا يقولون بعلوه ولا بفوقيته، بل الجميع عندهم متأول أو مفوض. وجميع أهل البدع قد يتمسكون بنصوص كالخوارج والشيعة والقدرية والرافضة والمرجئة وغيرهم، إلا الجهمية فإنهم ليس معهم عن الأنبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه من النفي. ولهذا قال ابن المبارك ويوسف بن أسباط: إن الجهمية خارجون عن الثلاث والسبعين فرقة. وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد ذكرهما أبو عبد الله بن حامد وغيره.
وقسم ثان: يقولون: إنه بذاته في كل مكان كما يقوله النجارية، وكثير من الجهمية عبادهم وصوفيتهم وعوامهم يقولون: إنه عين وجود المخلوقات، كما يقوله أهل الوحدة القائلون بأن الوجود واحد، ومن يكون قوله مركبًا من الحلول والاتحاد. وهم يحتجون بنصوص المعية والقرب ويتأولون نصوص العلو والاستواء، وكل نص يحتجون به عليهم فإن المعية أكثرها خاصة بأنبيائه وأوليائه، وعندهم في كل مكان.
وفي النصوص ما يبين نقيض قولهم فإنه قال: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحديد] ، فكل من في السماوات والأرض يسبح، والمسبَّح، غير المسبِّح ثم قال: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ} [البقرة: 107] ، فبين أن الملك له. ثم قال: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد] . وفي الصحيح (16) : (أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء. وأنت الظاهر فليس فوقك شيء. وأنت الباطن فليس دونك شيء) ، فإذا كان هو الأول كان هناك ما يكون بعده. وإذا كان آخرًا كان هناك ما الرب بعده، وإذا كان ظاهرًا ليس فوقه شيء كان هناك ما الرب ظاهرًا عليه. وإذا كان باطنًا ليس دونه شيء كان هناك أشياء نفى عنها أن تكون دونه. ولهذا قال ابن عربي: من أسمائه الحسنى (العلي) على من يكون عليًا، وما ثم إلا هو؟ وعلى ماذا يكون عليًا وما يكون إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات، تعالى الله عما يقوله هذا الملحد.
ثم قال الشيخ (17) : والقسم الثالث: من يقول: هو فوق العرش وهو في كل مكان. ويقول: أنا أقر بهذه النصوص، وهذه لا أصرف واحدًا منها عن ظاهره، وهذا قول طوائف ذكرهم الأشعري في"المقالات الإسلامية"، وهو موجود في كلام طائفة من السالمية والوصوفية.
قال الشيخ: وهذا الصنف الثالث وإن كان أقرب إلى التمسك بالنصوص وأبعد عن مخالفتها من الصنفين الأولين، فإن الأول لم يتبع شيئًا من النصوص بل خالفها كلها. والثاني ترك النصوص الكثيرة المحكمة المبيّنة وتعلق بنصوص قليلة اشتبهت عليه معانيها. وأما هذا الصنف فيقول: أنا اتبعت النصوص كلها لكنه غالطٌ أيضًا. فكل من قال: إن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة. وهؤلاء يقولون أقوالًا متناقضة. يقولون: إنه فوق العرش. ويقولون: نصيب العرش منه كنصيب قلب العارف. كما يذكر ذلك أبو طالب وغيره.
إلى أن قال الشيخ (18) -رحمه الله-: