وأما قرب (51) الرب من قلوب المؤمنين وقرب قلوبهم منه فهذا أمر معروف لا يجهل؛ فإن القلوب تصعد إليه على قدر ما فيها من الإيمان والمعرفة والذكر والخشية والتوكل، وهذا متفق عليه بين الناس بخلاف القرب الذي قبله؛ فإن هذا ينكره الجهمي الذي يقول: ليس فوق السماوات رب يعبد ولا إله يصلى له ويسجد، وهذا كفر وفند. والأول تنكره الكلابية، ومن يقول: لا تقوم الأمور الاختيارية به.
ثم بيّن الشيخ (52) -رحمه الله- تفاوت المؤمنين في إيمانهم بالله -عز وجل- فقال: بل الخلق في إيمانهم بالله وكتابه ورسوله متنوعون فلكل منهم في قلبه للكتاب والرسول مثال علمي بحسب معرفته، مع اشتراكهم في الإيمان بالله وبكتابه وبرسوله، فهم متنوعون في ذلك متفاضلون، وكذلك إيمانهم بالمعاد والجنة والنار وغير ذلك من أمور الغيب، وكذلك ما يخبر به الناس بعضهم بعضًا من أمور الغيب، بل يشاهدون الأمور ويسمعون الأصوات وهم متفاوتون ومتنوعون في الرؤية والسماع. فالواحد منهم يتبين له من حال المشهود ما لم يتبين للآخر حتى قد يختلفون فيثبت هذا ما لا يثبته الآخر؛ فكيف فيما أخبروا به من أمور الغيب؟
والنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبرهم عن الغيب بأحاديث كثيرة وليس كلهم سمعها مفصلة، والذين سمعوا ليس كلهم فهم مراده بل هم متفاضلون في السمع والفهم كتفاضل معرفتهم، وإيمانهم بحسب ذلك حتى يثبت أحدهم أمور كثيرة والآخر لا يثبتها. لا سيما من علق بقلبه شبه النفاة فهو ينفي ما أثبته الكتاب والسنة وما عليه أهل الحق. وهذا يبين لك أن هؤلاء كلهم مؤمنون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر -وإن كانوا متفاضلين في الإيمان- إلا من شاق الرسل من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، ثم هم يتفاضلون في العلم والإرادة. فإذا كان أحدهم أكثر محبة لله، وإن كان لغيره من العلم بالأسماء والصفات ما ليس له، فصاحب المحبة والذكر والتأله يحصل له من حضور الرب في قلبه وأنسه به ما لا يحصل لمن ليس مثله، وكذلك الإيمان بالرسول قد يكون أحد الشخصين أعلم بصفاته والآخر أكثر محبة له.
إلى أن قال (53) -رحمه الله-: وهذا يبين أن كل من أقر بالله فعنده من الإيمان بحسب ذلك، ثم من لم تقم عليه الحجة بما جاءت به الأخبار لم يكفر بجحده، وهذا يبين أن عامة أهل الصلاة مؤمنون بالله ورسوله وإن اختلفت اعتقاداتهم في معبودهم وصفاته إلا من كان منافقًا يظهر الإيمان بلسانه ويبطن الكفر بالرسول فهذا ليس بمؤمن، وكل من أظهر الإسلام ولم يكن منافقًا فهو مؤمن له من الإيمان بحسب ما أوتيه من ذلك، وهو ممن يُخرج من النار ولو كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر على اختلاف عقائدهم، ولو كان لا يدخل الجنة إلا من يعرف الله كما يعرفه نبيه -صلى الله عليه وسلم-؛ لم تدخل أمته الجنة؛ فإنهم أو أكثرهم لا يستطيعون هذه المعرفة، بل يدخلونها وتكون منازلهم متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم، وإذا كان الرجل قد حصل له إيمان يعرف الله به وأتى آخر بأكثر من ذلك عجز عنه؛ لم يُحمَّل ما لا يطيق، وإن كان يحصل له بذلك فتنة لم يُحدَّثْ بحديث يكون له فيه فتنة. فهذا أصل عظيم في تعليم الناس ومخاطبتهم بالخطاب العام بالنصوص التي اشتركوا في سماعها؛ كالقرآن والحديث المشهور وهم مختلفون في معنى ذلك. والله أعلم.
سئل الشيخ تقي الدين ابن تيمية (54) -رحمه الله- عن علو الله على خلقه وحكم من نفى ذلك؟