فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 400

فأجاب بقوله: الحمد لله. اعتقاد الشافعي -رضي الله عنه- واعتقاد سلف الأمة كمالك والثوري والأوزاعي وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وهو اعتقاد المشائخ المقتدى بهم كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم؛ فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في أصول الدين.

وكذلك أبو حنيفة -رحمه الله- فإن الاعتقاد الثابت عنه في التوحيد والقدر ونحو ذلك موافق لاعتقاد هؤلاء.

واعتقاد هؤلاء هو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وهو ما نطق به الكتاب والسنة.

قال الشافعي في أول خطبة"الرسالة": الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه؛ فبين -رحمه الله- أن الله موصوف بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك قال أحمد بن حنبل: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبتون له ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العليا ويعلمون أنه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] ، لا في صفاته ولا في ذاته ولا في أفعاله، إلى أن قال"يعني الإمام أحمد": هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش، وهو الذي كلم موسى تكليمًا وتجلى للجبل فجعله دكًا ولا يماثله شيء من الأشياء في شيء من صفاته. فليس كعلمه علم أحد ولا كسمعه وبصره سمع أحد ولا بصره، ولا كقدرته قدرة أحد ولا كرحمته رحمة أحد، ولا كاستوائه استواء أحد ولا كتكليمه تكليم أحد ولا كتجليه تجلي أحد. والله سبحانه قد أخبرنا أن في الجنة لحمًا ولبنًا وعسلًا وماء وحريرًا وذهبًا. وقد قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء. فلما كانت هذه المخلوقات الغائبة ليست مثل هذه المخلوقات المشاهدة مع اتفاقها في الأسماء؛ فالخالق أعظم علوًا ومباينة لخلقه من مباينة المخلوق للمخلوق وإن اتفقت الأسماء. وقد سمى نفسه حيًا عليمًا سميعًا بصيرًا. وبعضها رؤوفًا رحيمًا، وليس الحي كالحي ولا العليم كالعليم ولا السميع كالسميع ولا البصير كالبصير ولا الرؤوف كالرؤوف ولا الرحيم كالرحيم. وقال في سياق حديث الجارية المعروف: (أين الله) (55) ، قالت: في السماء. لكن ليس معنى ذلك أن الله في جوف السماء وأن السماء تحصره وتحويه؛ فإن هذا لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هم متفقون على أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.

وقد قال مالك بن أنس: إن الله في السماء وعلمه في كل مكان. إلى أن قال: فمن اعتقد أن الله في جوف السماء محصور محاط به، وأنه مفتقر إلى العرش، أو غير العرش من المخلوقات، أو أن استواءه على عرشه كاستواء المخلوق على كرسيه؛ فهو ضال مبتدع جاهل. ومن اعتقد أنه ليس فوق السماوات إله يعبد، ولا على العرش رب يصلى له ويُسجد، وأن محمدًا لم يعرج به إلى ربه، ولا نزل القرآن من عنده؛ فهو معطل فرعوني ضال مبتدع.

وقال: بعد كلام: والقائل الذي قال: من لم يعتقد أن الله في السماء؛ فهو ضال، إن أراد بذلك من لا يعتقد أن الله في جوف السماء بحيث تحصره وتحيط به فقد أخطأ. وإن أراد بذلك من لم يعتقد ما جاء في الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه؛ فقد أصاب، فإنه من لم يعتقد ذلك يكون مكذبًا للرسول -صلى الله عليه وسلم- متبعًا لغير سبيل المؤمنين، بل يكون في الحقيقة معطلًا لربه نافيًا له، فلا يكون له في الحقيقة إله يعبده ولا رب يسأله ويقصده. وهذا قول الجهمية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت