فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 400

وتارة بما يستلزم الجمود والتعطيل. فنفاتهم لا يعبدون شيئًا ومثبتتهم يعبدون كل شيء. ويقال أيضًا: فإذا كان ما ثم موجود إلا الخلاق والمخلوق؛ فالخالق بائن عن المخلوق. فإذا قال القائل: هو في جهة أو ليس في جهة؟ قيل له: الجهة أمر موجود أو معدوم؟ فإذا كان أمرًا موجودًا، ولا موجود إلا الخالق والمخلوق والخالق بائن عن المخلوق، لم يكن الرب في جهة موجودة مخلوقة. وإن كانت الجهة أمرًا معدومًا بأن يسمى ما وراء العالم جهة. فإذا كان الخالق مباينًا العالم، وكان ما وراء العالم جهة مسمّاه وليس هو شيئًا موجودًا؛ كان الله في جهة معدومة بهذا الاعتبار.

يرد الشيخ -رحمه الله- على نفاة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة بحجة أنه لو رؤي لكان جسمًا متحيزًا، فيقول (117) : المتحيّز يراد ما حازه غيره، ويراد به ما بان عن غيره فكان متحيزًا عنه؛ فإن أردت بالتحيّز الأول لم يكن سبحانه متحيزًا لأنه بائن عن المخلوقات ولا يحوزه غيره، وإن أردت الثاني فإنه سبحانه بائن عن المخلوقات منفصل عنها ليس هو حالًا فيها ولا متحدًا بها، فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل. وإلا فكل من نفى شيئًا من الأسماء والصفات سمى من أثبت ذلك مجسمًا قائلًا بالتحيز والجهة، فالمعتزلة ونحوهم يسمون الصفاتية الذين يقولون: إن الله تعالى حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام يسمونهم مجسمة مشبّهة حشوية، والصفاتية هم السلف والأئمة وجميع الطوائف المثبتة للصفات كالكلابية والكرامية والأشعرية والسالمية وغيرهم من طوائف الأمة.

قالت نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة وطائفة من الفلاسفة لهؤلاء:

إذا أثبتّم له حياة وقدرة وكلامًا فهذه أعراض والأعراض لا تقوم إلا بجسم. وإذا قلتم: يرى فالرؤية لا تكون إلا لمعاين في جهة، وهذا يستلزم التجسيم. وإن كان الرجل ممن يوافق نفاة الصفات ويثبت أسماء الله الحسنى كما تفعل المعتزلة وأئمة الكلام؛ سماه نفاة أسماء الله الحسنى مشبهًا حشويًا مجسمًا كما فعلت القرامطة الحاكمية الباطنية وغيرهم، وقالوا: إذا قلتم: إنه موجود علي حي قدير؛ فهذا هو القول بالتجسيم والتشبيه والحشو؛ فإن ذلك مشابهة لغيره من المخلوقات، وأنه لا يعقل موجود حي قدير إلا جسمًا، ولأن هذه الأسماء تستلزم الصفات والصفات تستلزم التجسيم.

فإن كان الرجل ممن ينفي الأسماء والصفات كما تفعله غلاة الجهمية والقرامطة والفلاسفة فلا بد أن يثبت أنه موجود، وحينئذ فتقول النفاة: أنت مجسِّم مشبِّه حَشَوي؛ لأنه إذا كان موجودًا فقد شاركه غيره في معنى الوجود وهو التشبيه؛ لأنه لا يعقل موجود إلا جسم أو قائم بجسم، حينئذ يحتاج إلى أن يقول: لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، أو لا موجود ولا لا موجود، ولا حي ولا لا حي؛ فيلزم نفي النقيضين، وذلك من أعظم الأمور الباطلة في بديهة العقل. مع أنه يلزم على قولهم تشبيهه بالممتنعات، لأن ما ليس بموجود ولا معلوم لا تكون له حقيقة أصلًا لا موجودة ولا معدومة، بل هو أمر مقدَّر في الأذهان لا يتحقّق في الأعيان، وهذا مع التزامه من الكفر الصريح.

ولو قدِّر أنه نفى الوجود الواجب القديم بالكليّة لكان من الكفر الذي هو أصل كل كفر قد كابر القضايا الضرورية. فإنّا نشهد الموجودات ونعلم أن كل موجود إمّا قديم وإمّا محدَث، وإما واجب موجود بنفسه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت