فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 400

يكون الله جسمًا، والله منزه عن ذلك، قال هؤلاء (أي الممثلة) : بل هو جسم. والجسم هو القائم بنفسه أو الموجود أو غير ذلك من المقالات وطعنوا في أدلة نفاة الجسم.

ثم ذكر الشيخ مقالة ابن كلاب وابن كرام وأتباعهما في الرد إلى أولئك، ثم قال: وأما السلف والأئمة فلم يدخلوا مع طائفة من الطوائف فيما ابتدعوه من نفي أو إثبات، بل اعتصموا بالكتاب والسنة ورأوا ذلك هو الموافق لصريح العقل. فجعلوا كل لفظ جاء به الكتاب والسنة في أسمائه وصفاته حقًا يجب الإيمان به، وإن لم تُعرف حقيقة معناه (أي كيفيته) ، وكل لفظ أحدثه الناس فأثبته قوم ونفاه آخرون فليس علينا أن نطلق إثباته أو نفيه، حتى نعرف مراد المتكلم؛ فإذا كان مراده حقًا موافقًا لما جاءت به الرسل والكتاب والسنة من نفي أو إثبات قلنا به، وإن كان باطلًا مخالفًا لما جاء به الكتاب والسنة من نفي أو إثبات منعنا القول به.

ورأوا أن الطريقة التي جاء بها القرآن هي الطريقة الموافقة لصريح المعقول وصحيح المنقول وهي طريقة الأنبياء والمرسلين، وأن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم جاءوا بنفي مجمل وإثبات مفصل، ولهذا قال سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات] ، فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من العيب والنقص. وطريقة الرسل هي ما جاء بها القرآن والله تعالى في القرآن؛ يثبت الصفات على وجه التفصيل، وينفي عنه على طريق الإجمال التشبيه والتمثيل. فهو في القرآن يخبر أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه عزيز حكيم غفور رحيم وأنه سميع بصير، وأنه غفور ودود، وأنه تعالى على عظم ذاته يحب المؤمنين ويرضى عنهم ويغضب على الكفار ويسخط عليهم. وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه كلم موسى تكليمًا، وأنه تجلى للجبل فجعله دكًا. وأمثال ذلك.

ويقول في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] ، {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: 74] ، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص] ؛ فيثبت الصفات وينفي مماثلة المخلوقات.

ولما كانت طريقة السلف أن يصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل. ومن غير تكييف ولا تمثيل ومخالفو الرسل يصفونه بالأمور السلبية؛ ليس كذا. ليس كذا. فإذا قيل لهم: فأثبتوه. قالوا: هو وجود مطلق أو ذات بلا صفات. وقد عُلم بصريح المعقول أن المطلق بشرط الإطلاق لا يوجد إلا في الأذهان لا في الأعيان، وأن المطلق لا بشرطٍ لا يوجد في الخارج مطلقًا لا يوجد إلا معينًا ولا يكون للرب عندهم حقيقة مغايرة للمخلوقات، بل إما أن يعطلوه أو يجعلوه وجود المخلوقات أو جزأها أو وصفها، والألفاظ المجملة يكفون عن معناها.

ثم بيّن الشيخ -رحمه الله- موقف أهل السنة من مقالات هؤلاء، فقال: فإذا قال قوم: إن الله في جهة أو حيز. وقال قوم: إن الله ليس في جهة ولا في حيز استفهموا كل واحد من القائلين عن مراده. فإن لفظ الجهة والحيز فيه إجمال واشتراك. فيقولون: ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق. والله تعالى منزّه بائن عن مخلوقاته؛ فإنه سبحانه خلق مخلوقاته بائنة عنه متميزة عنه خارجة عن ذاته، ليس في مخلوقاته شيء في ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، ولو لم يكن مباينًا لكان إما مداخلًا لها أو حالًا فيها أو محلًا لها، والله تعالى منزّه عن ذلك. وإما أن لا يكون مباينًا لها ولا مداخلًا لها فيكون معدومًا، والله تعالى منزّه عن ذلك. والجهمية نفاة الصفات تارة يقولون بما يستلزم الحلول والاتحاد، أو يصرّحون بذلك،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت