فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 400

ومعناه. وإلا فهل يحل لمسلم أن يقول: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما كان يعرف معنى ما يقوله ويبلغه من الآيات والأحاديث؟ بل كان يتكلم بألفاظ لها معان لا يعرف معانيها!

ومن قال: إنهم لا يعرفون تأويله أرادوا به الكيفية الثابتة التي اختص الله بعلمها.

ولهذا كان السلف كربيعة ومالك بن أنس وغيرهما يقولون: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وهذا قول سائر السلف كابن الماجشون والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم، وفي غير ذلك من الصفات فمعنى الاستواء معلوم، وهو التأويل والتفسير الذي يعلمه الراسخون. والكيفية هي التأويل المجهول لبني آدم وغيرهم الذي لا يعلمه إلا الله -سبحانه وتعالى-.

وكذلك ما وعد به في الجنة تعلم العباد تفسير ما أخبر الله به، وأما كيفيته فقد قال الله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة] ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: (يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) (62) ، فما أخبر الله به من صفات المخلوقين نعلم تفسيره، ومعناه ونفهم الكلام الذي خوطبنا به ونعلم معنى العسل واللحم واللبن والحرير والذهب والفضة، ونفرق بين مسميات هذه الأسماء، وأما حقائقها على ما هي عليه فلا يمكن أن نعلمها نحن، ولا نعلم متى تكون الساعة؟ وتفصيل ما أعده الله -عز وجل- لعباده لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل هذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى؛ فإذا كان هذا في هذين المخلوقين فالأمر بين الخالق والمخلوق أعظم؛ فإن مباينة الله لخلقه وعظمته وكبريائه وفضله أعظم وأكبر مما بين مخلوق ومخلوق.

لما ذكر الشيخ -رحمه الله- تفاوت ما بين مسميات ما في الجنة ومسميات ما في الدنيا من التفاوت الذي لا يعلمه الله، مع اتفاق الجنسين في الاسم والمعنى، توصل إلى نتيجة في ذلك وهي: وجوب تفاوت ما بين أسماء الله وصفاته وأسماء وصفات المخلوقين في الكيفية؛ وإن اتفقت في الاسم والمعنى فقال (63) -رحمه الله-: فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق بينهما من التفاضل والتباين ما لا نعلمه في الدنيا، ولا يمكن أن نعلمه، بل هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى؛ فصفات الخالق -عز وجل- أولى أن يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين الذي لا يعلمه أحد، بل منه ما يعلمه الراسخون في العلم ومنه ما يعلمه الأنبياء والملائكة، ومنه ما لا يعلمه إلا الله. كما روي عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنه قال: إن التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها. وتفسير لا يعذر أحد بجهالته. وتفسير تعلمه العلماء. وتفسير لا يعلمه إلا الله؛ من ادعى علمه فهو كاذب. ولفظ التأويل في كلام السلف لا يراد به إلا التفسير أو الحقيقة الموجودة في الخارج التي يؤول إليها. كما في قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ} [الأعراف: 53] الآية.

وأما استعمال التأويل بمعنى صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به أو متأخر، أو لمطلق الدليل؛ فهذا اصطلاح بعض المتأخرين، ولم يكن في لفظ أحد من السلف ما يراد منه بالتأويل هذا المعنى. ثم لما شاع هذا بين المتأخرين صاروا يظنون أن هذا هو التأويل في قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران: 7] ، ثم طائفة تقول: لا يعلمه إلا الله، وقالت طائفة: بل يعلمه الراسخون، وكلتا الطئفتين غالطة؛ فإن هذا لا حقيقة له، بل هو باطل والله يعلم انتفاءه، وأنه لم يرده، وهذا مثل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت