فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 400

فإذا قيل: علم الله وكلام الله ونزوله واستواؤه ووجوده وحياته، ونحو ذلك، لم يدل ذلك على ما يشركه فيه أحد من المخلوقين بطريق الأولى، ولم يدل ذلك على مماثلة الغير له في ذلك كما دل في زيد وعمرو؛ لأنا هناك علمنا التماثل من جهة الاعتبار والقياس لكون زيد مثل عمرو، وهنا نعلم أن الله لا مثل له ولا كفو ولا ند؛ فلا يجوز أن نفهم من ذلك أن علمه مثل علم غيره ولا كلامه مثل كلام غيره. ولا استواءه مثل استواء غيره ولا نزوله مثل نزول غيره ولا حياته مثل حياة غيره.

ولهذا كان مذهب السلف والأئمة إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات؛ فالله تعالى موصوف بصفات الكمال الذي لا نقص فيه. منزه عن صفات النقص مطلقًا، ومنزه عن أن يماثله غيره في صفات كماله، فهذان المعنيان جمعا التنزيه، وقد دل عليهما قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص] ، فالاسم الصمد يضمن صفات الكمال. والاسم"الأحد"يتضمن نفي المثل، فالقول في صفاته كالقول في ذاته، والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، لكن يفهم من ذلك أن نسبة هذه الصفة إلى موصوفها كنسبة هذه الصفة إلى موصوفها؛ فعلم الله وكلامه ونزوله واستواؤه هو كما يناسب ذاته ويليق بها، كما أن صفة العبد هي كما تناسب ذاته وتليق بها ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفات العبد إلى ذاته. ولهذا قال بعضهم: إذا قال لك السائل: كيف ينزل؟ أو كيف استوى؟ أو كيف يعلم؟ أو كيف يتكلم؟ ويقدر ويخلق؟ فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: أنا لا أعلم كيفية ذاته. فقل له: وأنا لا أعلم كيفية صفاته فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف؛ فهذا إذا استعملت هذه الأسماء والصفات على وجه التخصيص والتعيين وهذا هو الوارد في الكتاب والسنة، وأما إذا قيلت مطلقة وعامة فالمعاني لا تكون مطلقة وعامة إلا في الأذهان لا في الأعيان، فلا يكون موجود موجودًا عامًا مطلقًا أو عامًا إلا في الذهن.

إلى أن قال (61) -رحمه الله-: وتمام الكلام في هذا الباب أنك تعلم أنا لا نعلم ما غاب عنا إلا بمعرفة ما شهدناه، فنحن نفرق أشياء بحسنا الظاهر أو الباطن وتلك معرفة معينة مخصوصة، ثم إنا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد فيبقى في أذهاننا قضايا عامة كلية. ثم إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا، فلولا أنا نشهد من أنفسنا جوعًا وعطشًا وشبعًا وريًا وحبًا وبغضًا ولذة وألمًا ورضى وسخطًا؛ لم نعرف حقيقة ما نخاطب به إذا وصف لنا ذلك وأُخبرنا به عن غيرنا. وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد حياة وقدرة وعلمًا وكلامًا؛ لم نفهم ما نخاطب به إذا وصف الغائب عنا بذلك، وكذلك لو لم نشهده موجودًا لم نعرف وجود الغائب عنا؛ فلا بد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ المتواطئ، فبهذه الموافقة والمشاركة والمشابهة والمواطأة نفهم الغائب ونثبته، وهذا خاصة العقل. ولولا ذلك لم نعلم إلا ما نحسه، ولم نعلم أمورًا عامة ولا أمورًا غائبة عن أحاسيسنا الظاهرة والباطنة.

ولهذا من لم يحس الشيء ولا نظيره لم يعرف حقيقته، ثم إن الله تعالى أخبرنا بما وعدنا به في الدار الآخرة من النعيم والعذاب، وأخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح ويفرش وغير ذلك؛ فلولا معرفتنا بما يشبه ذلك في الدنيا لم نفهم ما وعدنا به، ونحن نعلم مع ذلك أن تلك الحقائق ليست مثل هذه، حتى قال ابن عباس -رضي الله عنه-: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. وهذا تفسير قوله: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] على أحد الأقوال، فبين هذه الموجودات في الدنيا وتلك الموجودات في الآخرة مشابهة وموافقة واشتراك من بعض الوجوه، وبه فهمنا المراد وأحببناه ورغبنا فيه، أو أبغضناه ونفرنا عنه. وبينهما مباينة ومفاضلة لا يُقدر قدرها في الدنيا. وهذا من التأويل الذي لا نعلمه نحن، بل يعلمه الله تعالى. ولهذا كان قول من قال:"إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله"حقًا. وكلا القولين مأثور عن السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فالذين قالوا: إنهم يعلمون تأويله مرادهم بذلك أنهم يعلمون تفسيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت