فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 400

وطريقة التأويل طريقة المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم يقولون: إن ما قاله له تأويلات تخالف ما دل عليه اللفظ وما يفهم منه، وكان مقصوده أن هذا يكون سببًا للبحث بالعقل؛ حتى يعلم الناس الحق بعقولهم، ويجتهدوا في تأويل ألفاظه إلى ما يوافق قولهم ليثابوا على ذلك.

وأما الصنف الثالث - أهل التجهيل الذين يقولون: إنهم أتباع السلف - يقولون: لم يكن الرسول يعرف معنى ما أنزل عليه من هذه الآيات ولا أصحابه يعلمون ذلك، ويقولون: تجري النصوص على ظاهرها وتأويلها لا يعلمه إلا الله.

هذه الطوائف الثلاث التي ذكرها الشيخ هي أصول أهل الضلال قديمًا وحديثًا، والتي ما زال المسلمون يعانون منها، ولكن بحمد الله قد كشفت مخططاتها وكشف عوارها فلم يعد لأفكارها قبول إلا عند المفتونين، والحق واضح من كتاب الله وسنة رسوله ومنهج سلف هذه الأمة لمن أراده، ولكن الأمر يحتاج إلى انتباه ويقظة من علماء المسلمين خصوصًا في هذا الزمان الذي نشط فيه دعاة الباطل. وفق الله الجميع لمعرفة الحق وقبوله والعمل به.

نذكر ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في موضوع التأويل وبيان معانيه؛ لأن هذا الموضوع شغل بال كثير من العلماء واتخذه نفاة الصفات مركبًا لهم في تأويل الصفات عن معانيها الحقيقية إلى معان مجازية، ما أنزل الله بها من سلطان.

قال الشيخ - رحمه الله - (2) : وذلك أن لفظ التأويل قد صار بسبب تعدد الاصطلاحات له ثلاث معان:

أحدها: أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وإن وافق ظاهره، وهذا المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة كقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53] ، ومنه قول عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد اللهم اغفر لي) ؛ يتأول القرآن (3)

والثاني: يراد بلفظ التأويل، التفسير، وهو اصطلاح كثير من المفسرين. ولهذا قال مجاهد إمام المفسرين: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه. فإنه أراد بذلك تفسيره وبيان معانيه وهذا مما يعلمه الراسخون في العلم.

والثالث: أن يراد بالتأويل صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه إلى ما يخالف ذلك لدليل منفصل يوجب ذلك. وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفًا لما يدل عليه اللفظ ويبينه. وتسمية هذا تأويلًا لم يكن في عرف السلف.

وإنما سمَّى هذا وحده تأويلًا طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصول الكلام، وظن هؤلاء أن قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران: 7] ، يراد به هذا المعنى. ثم صاروا في هذا التأويل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت