فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 400

وسبب ذلك أنه كان قد علم بذكائه وصدق طلبه ما في طريق المتكلمين والمتفلسفة من الاضطراب وآتاه الله إيمانًا مجملًا - كما أخبر به عن نفسه - وصار يتشوف إلى تفصيل الجملة، فيجد في كلام المشائخ والصوفية ما هو أقرب إلى الحق وأولى بالتحقيق، من كلام الفلاسفة والمتكلمين - والأمر كما وجده - لكن لم يبلغه من الميراث النبوي الذي عند خاصة الأمة من العلوم والأحوال وما وصل إليه السابقون الأولون من العلم والعبادة، حتى نالوا من المكاشفات العلمية والمعاملات العبادية ما لم ينله أولئك. فصار يعتقد أن تفصيل تلك الجملة يحصل بمجرد تلك الطريق حيث لم يكن عنده طريق غيرها لانسداد الطريقة الخاصة السنيَّة النبوية عنه بما كان عنده من قلة العلم بها ومن الشبهات التي تقلدها عن المتفلسفة والمتكلمين، حتى حالوا بينه وبين تلك الطريقة. طائفة ممن يرى فضيلته وديانته يدفعون وجود هذه الكتب عنه حتى كان الفقيه أبو محمد بن عبد السلام فيما علقه عنه ينكر أن يكون"بداية الهداية"من تصنيفه، ويقول: إنما هو تقوّل عليه، مع أن هذه الكتب مقبولها أضعاف مردودها، والمردود منها أمور مجملة، وليس فيها عقائد ولا أصول الدين.

وأما"المضنون به على غير أهله"فقد كان طائفة أخرى من العلماء يكذّبون ثبوته عنه، وأما أهل الخبرة به وبحاله فيعلمون أن هذا كله كلامه لعلمهم بمواد كلامه ومشابهة بعضه بعضًا، ولكن كان هو وأمثاله - كما قدمت - مضطربين لا يثبتون على قول ثابت؛ لأن عندهم من الذكاء والطلب ما يتشوفون به إلى طريقة خاصة الخلق، ولم يقدر لهم سلوك طريق خاصة هذه الأمة الذين ورثوا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - العلم والإيمان وهم أهل حقائق الإيمان والقرآن وأهل الفهم لكتاب الله والفهم لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولهذا كان الشيخ أبو عمرو بن الصلاح يقول فيما رأيته بخطه: أبو حامد كثر القول فيه ومنه؛ فأما هذه الكتب - يعني المخالفة للحق - فلا يلتفت إليها، وأما الرجل فيسكت عنه ويفوض أمره إلى الله. انتهى كلام ابن الصلاح في الغزالي.

ويقول الشيخ معلقًا على ذلك: ومقصوده أنه لا يذكر بسوء لأن عفو الله عن الناسي والمخطئ، وتوبة المذنب تأتي على كل ذنب وذلك من أقرب الأشياء إلى هذا وأمثاله؛ ولأن مغفرة الله بالحسنات منه ومن غيره وتكفيره الذنوب بالمصائب تأتي على محقق الذنوب، فلا يقدم الإنسان على انتفاء ذلك في حق معين إلا ببصيرة، لا سيما مع كثرة الإحسان والعلم الصحيح والعمل الصالح والقصد الحسن، وهو"أي الغزالي"يميل إلى الفلسفة، لكنه أظهرها في قالب التصوف والعبارات الإسلامية، ولهذا فقد رد عليه علماء المسلمين، حتى أخص أصحابه أبو بكر بن العربي فإنه قال: شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر.

وقد حُكي عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجد تصديق ذلك في كتبه. ورد عليه أبو عبد الله المازري في كتاب أفرده، ورد عليه أبو بكر الطرطوشي، ورد عليه أبو الحسن المِرْغيناني رفيقه رد عليه كلامه في"مشكاة الأنوار"ونحوه، ورد عليه الشيخ أبو البيان والشيخ أبو عمرو بن الصلاح، وحذر من كلامه في ذلك هو وأبو زكريا النواوي وغيرهما، ورد عليه ابن عقيل وابن الجوزي وأبو محمد المقدسي وغيرهم.

وهذا باب واسع فإن الخارجين عن طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لهم في كلام الرسول ثلاث طرق: طريقة التخييل وطريقة التأويل وطريقة التجهيل.

فأهل التخييل هم الفلاسفة والباطنية الذين يقولون: إنه خيّل أشياء لا حقيقة لها في الباطن، وخاصية النبوة عندهم التخييل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت