وبه يظهر بطلان قول الذين لا يزالون يقولون: إن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم. ذلك أنهم يظنون أن مذهب السلف هو التفويض للصفات والجهل بمعناها. وأن الخلف علموا المقصود منها وأنه خلاف الظاهر فصاروا يؤولونها بغرائب المجازات.
ثم إن قولهم: إن مذهب السلف أسلم قول متناقض لأنها لا تحصل السلامة إلا مع العلم؛ فدل على أن السلف يعلمون معنى الصفات ويثبتونه، وأن الخلف جهلوا المعنى الصحيح للصفات فصاروا يتخبطون في تأويله، ثم كيف يكون الخلف المتأخرون أعلم من السلف المتقدمين بما فيهم الصحابة والتابعون والقرون المفضلة التي أثنى عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذم ما بعدها؟ هل هذا إلا عين الجهل بمكانة السلف ومقدار علمهم؟
ولهؤلاء الضلال أشباه من بعض مثقفي عصرنا الذين يجهلون قدر العلماء ويجهلونهم ويقولون: إنهم لا يعرفون إلا أحكام الحيض والنفاس. وقصدهم من ذلك التنفير من علماء المسلمين والفصل بينهم وبين شباب الأمة، حتى يتسنى لهم تضليلهم وتطويعهم لأغراضهم ومبادئهم.
نسأل الله يهدي ضال المسلمين ويقمع الأعداء الحاسدين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:
فصل (15) في الجمع بين علو الرب عز وجل وبين قربه من داعيه وعابديه.
فنقول: قد وصف الله نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش والفوقية في كتابه في آيات كثيرة، حتى قال بعض كبار أصحاب الشافعي: في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله عال على الخلق، وأنه فوق عباده. وقال غيره: فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك. مثل قوله: {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206] ، {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ} [الأنبياء: 19] . فلو كان المراد بأن معنى {عِندَهُ} في قدرته كما يقول الجهمية؛ لكان الخلق كلهم عنده. كما أن الاستواء لو كان المراد به الاستيلاء؛ لكان مستويًا على جميع المخلوقات، ولكان مستويًا على العرش قبل أن يخلقه دائمًا.
والاستواء مختص بالعرش بعد خلق السماوات والأرض كما أخبر بذلك في كتابه فدل على أنه تارة مستويًا عليه وتارة لم يكن مستويًا عليه، ولهذا كان العلو من الصفات المعلومة بالسمع مع العقل عند أئمة المثبتة، وأما الاستواء على العرش فمن الصفات المعلومة بالسمع لا بالعقل، والمقصود أنه تعالى وصف نفسه أيضًا بالمعية والقرب.
والمعية معيتان: عامة وخاصة.
فالأولى كقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] ، والثانية كقوله: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل] ، إلى غير ذلك من الآيات، وأما القرب فهو كقوله: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186] ،