إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد] ؛ فإن أولئك المشركين إنما أنكروا اسم الرحمن فقط وهم لا ينكرون أسماء الله وصفاته، ولهذا كانوا -أي القرامطة- عند المسلمين أكفر من اليهود والنصارى.
ولو كانت أسماء الله الحسنى وصفاته مجازًا يصح نفيها عند الإطلاق؛ لكان يجوز أن الله ليس بحي ولا عليم ولا قدير ولا سميع ولا بصير، ولا يحبهم ولا يحبونه، ولا استوى على العرش، ونحو ذلك. ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاق النفي على ما أثبته الله تعالى من الأسماء الحسنى والصفات، بل هذا جحد للخالق وتمثيل له بالمعدومات.
وقد قال أبو عمر ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك ولا يَحُدّون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والخوارج فينكرونها ولا يحملونها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها فهو مشبه. وهم عند من أقرَّ بها نافون للمعبود لا مثبتون. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به الكتاب والسنة، وهم أئمة الجماعة. انتهى ما نقله الشيخ عن ابن عبد البر.
ثم قال الشيخ معلقًا عليه: وهذا الذي حكاه ابن عبد البر عن المعتزلة ونحوهم هم في بعض ما ينفونه من الصفات. وأما فيما يثبتونه من الأسماء والصفات كالحي والعليم والقدير والمتكلم، فهو يقولون: إن ذلك حقيقة ومن أنكر أن يكون شيء من هذه الأسماء والصفات حقيقة إنما أنكره لجهل مُسمَّى الحقيقة، أو لكفره وتعطيله لما يستحقه رب العالمين. وذلك أنه قد يظن أن إطلاق ذلك يقتضي أن يكون المخلوق مماثلًا للخلق. يقال له: هذا باطل. فإن الله موجود حقيقة والعبد موجود حقيقة وليس هذا مثل هذا. والله تعالى له ذات حقيقة والعبد له ذات حقيقة، وليس ذاته كذوات المخلوقات.
وكذلك له سمع وعلم وبصر حقيقة وللعبد علم وسمع وبصر حقيقة، وليس علمه وسمعه وبصره مثل علم الله وسمعه وبصره زو لله كلام حقيقة وللعبد كلام حقيقة وليس كلام الخالق مثل كلام المخلوقين.
ولله تعالى استواء على عرشه حقيقة وللعبد استواء الفلك حقيقة، وليس استواء الخالق كاستواء المخلوقين، فإن الله لا يفتقر إلى شيء ولا يحتاج إلى شيء بل هو الغني عن كل شيء. والله تعالى يحمل العرش وحملته بقدرته، ويمسك السماوات والأرض أن تزولا. فمن ظن أن قول الأئمة: إن الله مستو على عرشه حقيقة يقتضي أن يكون استواؤه مثل استواء العبد على الفلك والأنعام لزمه أن يكون قولهم: إن الله له علم حقيقة وسمع حقيقة وبصر حقيقة وكلام حقيقة، يقتضي أن يكون علمه وسمعه وبصره وكلامه مثل المخلوقين وسمعهم وبصرهم وكلامهم.
إلى أن قال -رحمه الله- (14) : فمن ظن أن أسماء الله تعالى وصفاته إذا كانت حقيقة لزم أن يكون مماثلًا للمخلوقين وأن صفاته مماثلة لصفاته؛ كان من أجهل الناس، وكان أول كلامه سفسطة وآخره زندقة؛ لأنه يقتضي نفي جميع أسماء الله وصفاته وهذا هو غاية الزندقة والإلحاد، ومن فرق بين صفة وصفة مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز؛ كان متناقضًا في قوله، متهافتًا في مذهبه، مشابهًا لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض. وإذا تأمل اللبيب الفاضل هذه الأمور تبين له أن مذهب السلف والأئمة في غاية الاستقامة والسداد والصحة والاطراد، وأنه مقتضى المعقول الصريح والمنقول الصحيح، وأن من خالفه كان مع تناقض قوله المختلف الذي يؤفك عنه من أفك، خارجًا عن موجب العقل والسمع، مخالفًا للفطرة والسمع. انتهى كلام الشيخ -رحمه الله-.