فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 400

عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (المدينة حرام ما بين عير إلى ثور) ، وفي رواية لمسلم: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا كتابًا نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة - قال: وصحيفته معلقة في قراب سيفه - فقد كذب. فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات. وفيها قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (المدينة حرام. . .) الحديث.

ومن ذلك كتاب"الجفر"الذي يدعون أنه كتب الحوادث، ومثل كتاب"رسائل إخوان الصفا"الذي صنفه جماعة في دولة بني بويه ببغداد، وكانوا من الصابئة المتفلسفة المتحنفة؛ جمعوا بزعمهم بين دين الصابئة المبدلين وبين الحنيفية، وأتوا بكلام المتفلسفة وبأشياء من الشريعة، وفيه من الكفر والجهل شيء كثير.

بيّن الشيخ (10) - رحمه الله - احتيالات المحتالين والكذابين والدجالين؛ فيقول عن الضرب بالرمل والحصا ونحو ذلك: إنهم يطلبون علم الحوادث بما يفعلونه من الاستقسام بها سواء كانت قداحًا أو حصا، فكل ما يحدثه الإنسان بحركة من تغيير شيء من الأجسام ليستخرج به علم ما يستقبله، فهو من هذا الجنس"أي: من جنس الاستقسام بالأزلام"، بخلاف الفأل الشرعي، وهو الذي كان يعجب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو أن يخرج متوكلًا على الله فيسمع الكلمة الطيبة، وكان يعجبه الفأل ويكره الطيرة (11) ؛ لأن الفأل تقوية لما فعله بإذن الله والتوكل عليه، والطيرة معارضة لذلك. فيكره للإنسان أن يتطير وإنما تضر الطيرة من تطير لأنه أضر بنفسه، فأما المتوكل على الله فلا.

وليس المقصود ذكر هذه الأمور وسبب إصابتها تارة وخطئها تارات، وإنما الغرض أنهم يتعمدون فيها كذبًا كثيرًا من غير أن تكون قد دلت على ذلك دلالة، كما يتعمد خلق كثير الكذب في الرؤيا التي منها الرؤيا الصالحة، وهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وكما كانت الجن تخلط بالكلمة تسمعها من السماء مائة كذبة ثم تلقيها إلى الكهان. ولهذا ثبت في"صحيح مسلم" (12) عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالًا يأتون الكهان. قال: (فلا تأتهم) . قال: قلت: ومنا رجال يتطيرون. قال: (ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدهم) . قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: (كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك) . فإذا كان ما هو جزء من أجزاء النبوة ومن أخبار الملائكة ما قد يتعمد فيه الكذب الكثير؛ فكيف بما هو في نفسه مضطرب لا يستقر على أصل؟

فلهذا تجد عامة من في دينه فساد يدخل في الأكاذيب الكونية مثل أهل الاتحاد؛ فإن ابن عربي في كتاب:"عنقاء مغرب"وغيره أخبر بمستقبلات كثيرة عامتها كذب، وكذلك ابن سبعين، وكذلك الذين استخرجوا مدة بقاء هذه الأمة من حساب الجمل من حروف المعجم، الذي ورثوه من اليهود ومن حركات الكواكب الذي ورثوه من الصابئة. وقد رأيت من أتباع هؤلاء طوائف يدعون أن هذه الأمور من الأسرار المخزونة والعلوم المصونة، وخاطبت في ذلك طوائف منهم، وكنت أحلف لهم أن هذا كذب مفترى، وأنه لا يجري من هذه الأمور شيء وطلبت مباهلة بعضهم؛ لأن ذلك كان متعلقًا بأصول الدين؛ فإن شيخهم الذي هو عارف وقته وزاهده عندهم كانوا يزعمون أنه هو المسيح الذي ينزل، وأن معنى ذلك نزول روحانية المسيح عيسى - عليه السلام -، وأن أمه اسمها مريم، وأنه يقوم بجمع الملل الثلاث وأنه يظهر مظهرًا أكمل من مظهر محمد وغيره من المرسلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت