طريق النجاة من العذاب الأليم هو الرواية والنقل، وأن العقل وحده لا يكفي، فكما أن نور العين لا يَرى إلا مع ظهور نور قدَّامه، فكذلك نور العقل لا يهتدي إلا إذا طلعت عليه شمس الرسالة، وقد أتم الله النعمة على الأمة قال تعالى: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة] ، وذكر - رحمه الله - آيات كثيرة في هذا المعنى وذكر عن جمع من العلماء أن الحكمة هي سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ثم بيَّن - رحمه الله - أنه لما كان القرآن متميزًا بنفسه لإعجازه وكونه منقولًا بالتواتر لم يطمع أحد في تغيير ألفاظه وحروفه وإنما حاول الشيطان إدخال التحريف والتبديل في معانيه بالتغيير والتبديل وطمع أن يدخل في الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل بعض العباد، فأقام الله تعالى الجهابذة النقاد أهل الهدى والسداد فدحروا حزب الشيطان وفرقوا بين الحق والبهتان.
وقام كل من علماء المسلمين بما أنعم الله عليه وعلى المسلمين؛ فقام أهل الفقه الذين فقهوا معاني القرآن والحديث، وقام علماء النقل بعلم الرواية والإسناد فسافروا في البلاد وصبروا على المصاعب الشداد ليحفظ الله بهم دينه، كما جعل البيت مثابة للناس وأمنًا، يقصدونه من كل فج عميق، وكما حبب إلى أهل القتال الجهاد بالنفس والمال حكمة من الله يحفظ الدين ويظهر بها الهدى ودين الحق ولو كره المشركون.
وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وجعله سلّمًا إلى الدراية؛ فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليهم المِنَّة أهل الإسلام والسنة يفرقون به بين الصحيح والسقيم والمعوج والقويم، وغيرهم من أهل البدع والكفار إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل.
وأما هذه الأمة المرحومة فقد عصمهم الله أن يجمعوا على خطأ في دين الله؛ معقول أو منقول، وإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول، فإذا اجتمع أهل الفقه على قول لم يكن إلا حقًا، وإذا اجتمع أهل الحديث على تصحيح حديث لم يكن إلا صدقًا. لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم، وهم في ذلك على درجات: منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية. ومنهم أهل المعرفة بالحديث والدراية، ومنهم أهل الفقه فيه والمعرفة بمعانيه. وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمة أن يبلغ عنه من شهد لمن غاب، ودعا للمبلغين عنه بالدعاء المستجاب، فقال في الحديث الصحيح: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوء مقعده من النار) (15) وقال أيضًا: (نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) (16) ، وفي هذا دعاء لمن بلغ حديثه وإن لم يكن فقيهًا، ودعاء لمن بلغه وإن كان المبلغ المستمع أفقه من المبلّغ. قال سفيان بن عيينة: لا تجد أحدًا من أهل الحديث إلا في وجهه نُضْرة لدعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - (17) .
ذكر - رحمه الله - (18) في الجماعة والفرقة وسبب ذلك ونتيجته؛ استهل هذه القاعدة بقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] ثم قال: أخبر سبحانه أنه شرع لنا ما وصى به نوحًا