والذي أوحاه إلى محمد وما وصى به الثلاثة المذكورين، وهؤلاء هم أولو العزم المأخوذ عليهم الميثاق في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الأحزاب: 7] . وقوله: {مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ} [الشورى: 13] ، فجاء في حق محمد بلفظ الذي وبلفظ الإيحاء، وفي سائر الرسل بلفظ الوصية، إلى أن قال - رحمه الله: فإن الذي شرع لنا هو الذي وصى به الرسل وهو الأمر بإقامة الدين والنهي عن التفرق فيه. وإذا كان الله قد أمر الأولين والآخرين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وقد أخبر أنه شرع لنا ما وصى به نوحًا والذي أوحاه إلى محمد؛ فيحتمل شيئين:
أحدهما: أن يكون ما أوحاه إلى محمد يدخل فيه شريعته التي تختص بنا، فإن جميع ما بَعَث به محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد أوحاه إليه من الأصول والفروع، بخلاف نوح وغيره من الرسل فإن ما شرع لنا ما وصوا به من إقامة الدين وترك التفرق فيه، والدين الذي اتفقوا عليه هو الأصول؛ فتضمن الكلام أشياء:
أحدها: أنه شرع لنا الدين المشترك وهو الإسلام والإيمان العام، والدين المختص بنا وهو الإسلام والإيمان الخاص.
الثاني: أنه أمرنا بإقامة هذا الدين كله المشترك والمختص ونهانا عن التفرق فيه.
ثم بيّن - رحمه الله - أن التفرق على نوعين:
النوع الأول: التفرق المذموم وهو ما كان الدافع إليه التعصب والكبر بعد معرفة الحق مع وضوح الدليل.
والنوع الثاني: التفرق غير المذموم وهو ما كان الدافع إليه الاجتهاد والمقصود منه الوصول إلى الحق مع خفاء الدليل، واستشهد بقوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [الشورى: 14] ، قال: فأخبر أن تفرقهم إنما كان بعد مجيء العلم الذي بيَّن لهم ما يتقون. فإن الله ما كان ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبيِّن ما يتقون، وأخبر أنهم ما تفرقوا إلا بغيًا، والبغي مجاوزة الحد، وهذا بخلاف التفرق عن اجتهاد ليس فيه علم ولا قصد به البغي كتنازع العلماء السائغ. والبغي إما تضييع للحق وإما تعد للحد؛ فهو إما ترك واجب وإما فعل محرم. فعلم أن موجب التفرق هو ذلك وهذا كما قال عن أهل الكتاب: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 19] ، فأخبر أن نسيانهم حظًا مما ذكروا به، وهو ترك العمل ببعض ما أمروا به كان سببًا لإغراء العداوة والبغضاء بينهم، وهكذا هو الواقع في أهل ملتنا مثلما نجده بين الطوائف المتنازعة في أصول دينها وكثير من فروعه.
ومثَّل - رحمه الله - لذلك بما يقع بين المتفقه المتمسك من الدين بالأعمال الظاهرة وبين المتصوف المتمسك من الدين بأعمال باطنة؛ كل منهما ينفي طريقة الآخر ويدعي أنه ليس من أهل الدين أو يعرض عنه إعراض من لا يعده من الدين فتقع بينهما العداوة والبغضاء، وقد أمر الله بطهارة الظاهر والباطن؛ طهارة الظاهر من الحدث والنجاسة وطهارة الباطن من الشرك والكفر والنفاق، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] ، وقال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [المائدة: 41] .
قال الشيخ: فنجد كثيرًا من المتفقهة والمتعبدة إنما همته طهارة البدن فقط ويزيد فيها على المشروع، ويترك من طهارة القلب ما أمر به إيجابًا أو استحبابًا لا يفهم من الطهارة إلا طهارة القلب فقط حتى يزيد