فيها على المشروع ويترك من طهارة البدن ما أمر به إيجابًا أو استحبابًا لا يفهم من الطهارة إلا طهارة البدن! ونجد كثيرا من المتصوفة همته طهارة القلب فقط حتى يزيد فيها على المشروع ويترك من طهارة البدن ما أمر به إيجابا أو استحبابا.
فالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة: في كثرة صب الماء وتنجيس ما ليس بنجس واجتناب ما لا يشرع اجتنابه، مع اشتمال قلوبهم على أنواع من الحسد والكبر والغل لإخوانهم، وفي ذلك مشابهة بيّنة لليهود.
والآخرون يبالغون في سلامة الباطن ويجعلون الجهل بما تجب معرفته من سلامة الباطن، ومع هذا الجهل قد لا يجتنبون النجاسات ولا يفعلون الطهارة الواجبة مضاهاة للنصارى، وتقع العداوة بين الطائفتين بسبب ترك حظ مما ذكروا به وبسبب البغي الذي هو مجاوزة الحد.
ثم ذكر - رحمه الله - آيات في النهي عن التفرق وبيان أسبابه، ثم قال (19) : فظهر أن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما أمر به باطنًا وظاهرًا. وسبب الفرقة ترك حظ مما أمر به العبد والبغي، ونتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعادة الدنيا والآخرة وبياض الوجوه. ونتيجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول منهم. وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجة قاطعة؛ فإنهم إذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا تكون طاعة الله ورحمته بفعل ما لم يأمر به من اعتقاد أو قول أو عمل، وقد بيّن - رحمه الله - في هذه القاعدة: أن اجتماع المسلمين إنما يحصل بالعمل بالكتاب والسنة ظاهرًا وباطنًا. وأن نتيجة هذا الاجتماع حصول السعادة والرحمة في الدنيا والآخرة، وأن ترك العمل بالكتاب والسنة أو العمل بهما في الظاهر دون الباطل أو العكس هو سبب الافتراق بين المسلمين ووقوع العداوة بينهم كما حصل لأهل الكتاب.
وأورد الشيخ حديثين عن رسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المشهور في"السنن"من روايتي فقيهي الصحابة: عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت: (ثلاث لا يغل عليهم قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم) (20) . وفي حديث أبي هريرة المحفوظ: (إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) (21) ، قال (22) : فقد جمع في هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث: إخلاص العمل لله ومناصحة أولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين. وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده وتجمع الحقوق التي لله ولعباده وتنظم مصالح الدنيا والآخرة، وبيان ذلك أن الحقوق قسمان: حق لله، وحق لعباده. فحق الله أن نعبده ولا نشرك به شيئًا، كما جاء لفظه في أحد الحديثين، وهذا معنى إخلاص العمل لله كما جاء في الحديث الآخر. وحقوق العباد قسمان: خاص وعام. أما الخاص فمثل بر كل إنسان والديه، وحق زوجته وجاره فهذه من فروع الدين؛ لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه، ولأن مصلحتها خاصة فردية.
وأما الحقوق العامة فالناس فيها نوعان: رعاة ورعية. فحقوق الرعاة مناصحتهم، وحقوق الرعية لزوم جماعتهم؛ فإن مصلحتهم لا تتم إلا باجتماعهم، وهم لا يجتمعون على ضلالة، بل مصلحة دينهم ودنياهم في اجتماعهم واعتصامهم بحبل الله جميعًا. فهذه الخصال تجمع أصول الدين. وقد جاءت مفسرة في الحديث الذي رواه مسلم عن تميم الداري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة. الدين النصيحة. الدين النصيحة) ، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) (23) . فالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله تدخل في حق الله وعبادته وحده لا شريك له، والنصيحة لأئمة