ونحوهم من أتباع فرعون المعطل. والله قد فطر العباد -عربهم وعجمهم- على أنهم إذا دعوا الله توجهت قلوبهم إلى العلو ولا يقصدونه تحت أرجلهم. ولهذا قال بعض العارفين: ما قال عارف قط: يا الله! إلا وجد في قلبه قبل أن يتحرك لسانه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة.
وذكر من بعد كلام طويل الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة) (56) ولأهل الحلول والتعطيل في هذا الباب شبهات يعارضون بها كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، وما فطر الله عليه عباده، وما دلت عليه الدلائل العقلية الصحيحة؛ فإن هذه الأدلة كلها متفقة على أن الله فوق مخلوقاته عال عليها. وقد فطر الله على ذلك العجائز والصبيان والأعراب كما فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى. وقد قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه؛ كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟) ، ثم يقول أبو هريرة (57) : اقرءوا إن شئتم: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] .
وهذا معنى قول عمر بن عبد العزيز: عليك بدين الأعراب والصبيان في الكُتَّاب وعليك بما فطرهم الله عليه فإن الله فطر عباده على الحق. والرسل بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويل الفطرة وتغييرها. وأما أعداء الرسل كالجهمية الفرعونية ونحوهم فيريدون أن يغيروا فطرة الله ويوردون على الناس شبهات بكلمات مشتبهات، لا يفهم كثير من الناس مقصودهم بها ولا يحسن أن يجيبهم. وأصل ضلالهم تكلمهم بكلمات مجملة لا أصل لها في كتابه ولا سنة رسوله، ولا قالها أحد من أئمة المسلمين؛ كلفظ التحيز والجسم والجهة ونحو ذلك. فمن كان عارفًا بحل شبهاتهم بيَّنها؛ ومن لم يكن عارفًا بذلك فليعرض عن كلامهم ولا يقبل إلا ما جاء به الكتاب والسنة، كما قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68] ومن يتكلم في الله وأسمائه وصفاته بما يخالف الكتاب والسنة فهو من الخائضين في آيات الله بالباطل. وكثير من هؤلاء ينسب إلى أئمة المسلمين ما لم يقولوه؛ فينسبون إلى الشافعي وأحمد بن حنبل ومالك وأبي حنيفة من الاعتقادات ما لم يقولوه، ويقولون لمن اتبعهم: هذا اعتقاد الإمام الفلاني! فإذا طولبوا بالنقل الصحيح عن الأئمة تبين كذبهم. وقال الشافعي: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال هذا جزاء من ترك القرآن والسنة وأقبل على الكلام، وقال أبو يوسف القاضي: من طلب الدين بالكلام تزندق. وقال أحمد: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح. وقال بعض العلماء: المعطل يعبد عدمًا والممثل يعبد صنمًا؛ المعطل أعمى والممثل أعشى. ودين الله بين الغالي منه والجافي عنه، وقد قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] ، والسنة في الإسلام في الملل. انتهى كلام الشيخ.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية (58) -رحمه الله- عمن يثبت النزول لله سبحانه إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث (59) وعمن ينفي ذلك؟ فأجاب -رحمه الله- بقوله:
الحمد لله رب العالمين. أما القائل الأول الذي ذكر نص النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد أصاب فيما قال؛ فإن هذا القول الذي قاله قد استفاضت به السنة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- واتفق سلف الأمة وأئمتها وأهل العلم بالسنة والحديث على تصديق ذلك وتلقيه بالقبول. ومن قال ما قاله الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقوله حق وصدق. وإن كان لا يعرف حقيقة ما اشتمل عليه من المعاني كمن قرأ القرآن ولم يفهم ما فيه من المعاني. فإن أصدق الكلام كلام الله. وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-. والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال هذا الكلام وأمثاله علانية وبلغه الأمة تبليغًا عامًا لم