فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 400

والنصارى بدلوا وحرفوا وصاروا كفارًا أو مشركين. فأولئك الصابئون الذين كانوا إذ ذاك كفارًا أو مشركين وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل.

ومذهب النفاة من هؤلاء في الرب أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منها، وهم الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل ـ صلى الله عليه وسلم ـ. فيكون الجعد قد أخذ عن الصابئة الفلاسفة. وكذلك أبو نصر الفارابي دخل حران وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته. وأخذها الجهم أيضًا فيما ذكره الإمام أحمد وغيره لما ناظر السمنية بعض فلاسفة الهند، وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات؛ فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين، والفلاسفة الضالون هم إما من الصابئين وإما من المشركين.

بين الشيخ ما سببه تعريب الكتب الرومية واليونانية؛ أي: ترجمتها إلى العربية في عهد المأمون الخليفة العباسي، وما سببه ذلك من دخول علم الكلام وقواعد المنطق في كتب العقائد، والاستغناء بذلك عن الأدلة الشرعية في إثبات مسائل العقيدة، وهذه مأساة تتكرر كل وقت حينما يأخذ المسلمون بعلوم الكفار في أمور الدين، والحكم بين الناس، أما الأخذ بعلوم الكفار في المجال الصناعي والعسكري الذي لا يتنافى مع الدين؛ فلا بأس به.

قال الشيخ (11) ـ رحمه الله ـ ثم لما عربت الكتب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية؛ زاد البلاد مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال، ابتداءً ن من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم، ولما كان في حدود المائة الثانية انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية، بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته، وكلام الأئمة مثل مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي وغيرهم كثير في ذمهم وتضليلهم.

وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه:"تأسيس التقديس"ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني وأبي الحسين البصري وأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي وغيرهم. وهي بعينها تأويلات بشر المريسي التي ذكرها في كتابه. وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضًا، ولهم كلام حسن في أشياء، فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المرسي، ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي، أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري صنف كتابًا سماه: رد عثمان بن سعيد، على الكاذب العنيد، فيما افترى على الله في التوحيد، حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين، الذين اتصلت إليهم من جهته وجهة غيره، ثم رد ذلك عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذي علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم وضعف حجة من خالفهم. ثم إن رأى الأئمة - أئمة الهدى - على ذم المريسية، وأكثرهم كفروهم أو ضللوهم، وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي؛ تبين له الهدى لمن أراد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلى بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت