فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 400

على طريقين؛ قوم يقولون: إنه لا يعلمه إلا الله. وقوم يقولون: إن الراسخين في العلم يعلمونه. وكلا الطائفتين مخطئة. فإن هذا التأويل في كثير من المواضع أو أكثرها وعامتها من باب تحريف الكلم عن مواضعه من جنس تأويلات القرامطة والباطنية، وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمة وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ورموا في آثارهم بالشهب. وقد صنف الإمام أحمد كتابًا في الرد على هؤلاء وسماه:"الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله"؛ فعاب أحمد عليهم أنهم يفسرون القرآن بغير ما هو معناه. ولم يقل أحمد ولا أحد من الأئمة: إن الرسول لم يكن يعرف معاني آيات الصفات وأحاديثها. ولا قالوا: إن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يعرفوا تفسير القرآن ومعانيه. كيف وقد أمر الله بتدبر كتابه! فقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29] ، ولم يقل: بعض آياته. وقال: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82] ، وقال: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [المؤمنون: 68] ، وأمثال ذلك في النصوص التي تبين أن الله يحب أن يتدبر الناس القرآن كله، وأنه جعله نورًا وهدى لعباده. ومحال أن يكون ذلك مما لا يفهم معناه. وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن؛ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود أنهم قالوا: كنا إذا تعلمنا من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر آيات لم نجاوزها حتى نتعلم ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا (4)

ثم بيّن الشيخ (5) براءة السلف من هذا التأويل الذي هو صرف اللفظ عن معناه الصحيح إلى معنى آخر كما يفعله كثير من نفاة الصفات، وقال: فإن فُرض أن أحدًا نقل مذهب السلف كما يذكره - أي من هذا التأويل - فإما أن يكون قليل المعرفة بآثار السلف كأبي المعالي الجويني وأبي حامد الغزالي وابن الخطيب"يعني الفخر الرازي"، وأمثالهم ممن لم يكن لهم من المعرفة بالحديث ما يعدون به من عوام أهل الصناعة فضلًا عن خواصها، ولم يكن الواحد من هؤلاء يعرف البخاري ومسلمًا وأحاديثهما إلا بالسماع كما يذكر ذلك العامة، ولا يميزون بين الحديث المتواتر عند أهل العلم بالحديث وبين الحديث المفترى المكذوب، وكتبهم أصدق شاهد بذلك ففيها عجائب! وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك إما عند الموت وإما قبل الموت. والحكايات في هذا كثيرة معروفة.

هذا أبو الحسن الأشعري نشأ في الاعتزال أربعين عامًا يناظر عليه ثم رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم، وهذا أبو حامد الغزالي مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث وصنف"إلجام العوام عن علم الكلام". وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، قال في كتابه الذي صنفه في"أقسام اللذات": لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا. ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن؛ أقرأ في الإثبات: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه] ، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ، وأقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] ، ثم قال: من جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. وكان يتمثل كثيرًا:

نهاية إقدام العقول عقال * * وأكثر سعي العالمين ضلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا * * وحاصل دنيانا أذى ووبال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت