فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 400

عبادته وحده لا شريك له وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل"يعني توحيد الإلهية"، والأول يتضمن التوحيد في العلم والقول"يعني توحيد الربوبية"كما دل ذلك سورة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، ودل على الآخر سورة: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] ، وهما سورتا الإخلاص، وبهما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر وركعتي الطواف، وغير ذلك.

ثم ذكر - رحمه الله - أن الأصل الذي يجب اتباعه في صفات الله - عز وجل - فقال: فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسله نفيًا وإثباتًا؛ فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفى عن نفسه. يعني - رحمه الله - أن الأصل في إثبات الصفات وتنزيه الله عن النقائص هو الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا مدخل للعقل والرأي في ذلك.

ثم ذكر موقف السلف من ذلك فقال: وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه، مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته؛ فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180] ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَاتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] الآية. فطريقتهم إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] ، ففي قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} رد للتشبيه والتمثيل. وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} رد للإلحاد والتعطيل.

ثم بيّن - رحمه الله - نوع الإثبات والنفي اللذين جاء بهما الرسل صلوات الله وسلامه عليهم في صفات الله - عز وجل - فقال: والله سبحانه قد بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل فأثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل كما قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} ، قال أهل اللغة: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} ؛ أي: نظيرًا يستحق مثل اسمه، ويقال: مساميًا يساميه.

وذكر الشيخ أمثلة كثيرة للنفي المجمل الوارد في القرآن الكريم، ثم قال: وأما الإثبات المفصل فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته؛ كقوله: {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} الآية بكاملها، وقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص] ، السورة، وقوله: {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: 2] ، {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54] ، {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، وذكر - رحمه الله - أمثلة كثيرة لذلك. إلى أن قال:

إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أسماء الرب وصفاته؛ فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل؛ فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية والقرامطة والباطنية ونحوهم؛ فإنهم على ضد ذلك يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في التمثيل؛ فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلًا يستلزم نفي الذات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت