فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 400

به ضرر بل هو خير بلا شر وليس في ذلك محذور ولا مفسدة؛ فإن أحدًا من الأنبياء - عليهم السلام - لم يعبد في حياته بحضوره، فإنه ينهى من يعبده ويشرك به، ولو كان شركًا أصغر؛ كما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - من سجد له عن السجود له، وكما قال: (لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد. ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد) (15) ، وأمثال ذلك. وأما بعد موته فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح والعزير وغيرهما عند قبورهما، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) . أخرجاه في"الصحيحين" (16) وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) (17) وقال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما فعلوا (18)

وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان؛ أحدهما: أن لا نعبد إلا الله. والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع. لا نعبده بعبادة مبتدعة.

وهذان الأصلان هما تحقيق: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ كما قال تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7] ، قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل. وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة وذلك تحقيق قوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] ، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحًا. واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل فيه لأحد شيئًا. وقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] وفي"الصحيحين"عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (19) ، وفي لفظ في الصحيح وغيره أيضًا: يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو كله للذي أشرك (20) ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقيف. كما في"الصحيحين"عن عمر بن الخطاب أنه قبّل الحجر الأسود، وقال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك لما قبلتك (21)

والله سبحانه أمرنا باتباع الرسول وطاعته وموالاته ومحبته، وأن يكون الله ورسوله أحب إلينا مما سواهما وضمن لنا بطاعته ومحبته محبة الله وكرامته، فقال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31] ، وقال تعالى: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 54] ، وقال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13] ، ولا ينبغي لأحد أن يخرج في هذا عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة، وما علمه قال به، وما لم يعلمه أمسك عنه ولا يقفو ما ليس له به علم، ولا يقول على الله ما لم يعلم؛ فإن الله تعالى قد حرم ذلك كله.

ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - صفة التوسل الذي كان يتوسل به النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه وأنه كان يتوسل بأسماء الله وصفاته. فقال - رحمه الله: وقد جاء في الأحاديث النبوية ذكر ما سأل الله تعالى به كقوله - صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض. يا ذا الجلال والإكرام. يا حي يا قيوم) ، رواه أبو داود وغيره. وفي لفظ: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد) . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه (22)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت