مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا [النساء] . والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب. والله تعالى لا شريك له كما قال سبحانه: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ] .
وقد استفاضت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن من يفعل ذلك ونهى عن اتخاذ قبره عيدًا؛ وذلك لأن أول ما حدث الشرك في بني آدم كان في قوم نوح. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام (9) . وثبت ذلك في"الصحيحين"عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض (10) وقد قال تعالى عن قومه أنهم قالوا: {لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: 23، 24] قال غير واحد من السلف: هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم فلما طال عليهم الأمد عبدوهم. وقد ذكر البخاري في"صحيحه" (11) هذا عن ابن عباس، وذكر أن هذه الآلهة صارت إلى العرب، وسمى قبائل العرب الذين كانت فيهم هذه الأصنام.
فلما علمت الصحابة - رضوان الله عليهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حسم مادة الشرك بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، وكان المصلي يصلّي لله - عز وجل -. كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس؛ لئلا يشابه المصلين للشمس، وإن كان المصلي إنما يصلي لله - عز وجل -. وكان الذي يقصد الدعاء بالميت أو عند قبره أقرب إلى الشرك من الذي لا يقصد إلا الصلاة لله - عز وجل - لم يكونوا يفعلون ذلك.
وكذلك عَلِمَ الصحابة أن التوسل به إنما هو بالإيمان به وطاعته ومحبته وموالاته أو التوسل بدعائه وشفاعته؛ فلهذا لم يكونوا يتوسلون بذاته مجردة عن هذا وهذا. فلما لم يفعل الصحابة - رضوان الله عليهم شيئًا من ذلك ولا دعوا بمثل هذه الأدعية وهم أعلم منا وأعلم بما يحب الله ورسوله وأعلم بما أمر الله به ورسوله من الأدعية وما هو أقرب إلى الإجابة. بل توسلوا بالعباس وغيره ممن ليس مثل النبي - صلى الله عليه وسلم -. دل عدولهم عن التوسل بالأفضل إلى التوسل بالمفضول أن التوسل المشروع بالأفضل لم يكن ممكنًا، يعني أنه لما مات الرسول - صلى الله عليه وسلم - صار الرسول - صلى الله عليه وسلم - صار التوسل به ممتنعًا؛ لأن التوسل المشروع هو التوسل بدعائه وقد انتهى ذلك بموته - صلى الله عليه وسلم -.
قال الشيخ: وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أبيائهم مساجد) . رواه مالك في"موطئه" (12) ، ورواه غيره. وفي"سنن أبي داود"عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني) (13) أنه قال في مرض موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ؛ يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا.
وقال الشيخ أيضًا: وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به ويقولوا في دعائهم في الصحراء بالجاه، ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بمخلوق على الله - عز وجل - والسؤال به، فيقولون: نسألك أو نقسم عليك بنبيك أو بجاه نبيك ونحو ذلك مما يفعله الناس، لكنهم عدلوا عن ذلك لعلمهم أن هذا لا يجوز.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (14) - رحمه الله - في بيان أن التوسل بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان ذلك في حياته وأما بعد موته فإن ذلك لا يشرع ولا يجوز. قال: ليس في طلب الدعاء منه الذي هو معنى التوسل