فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 400

الفتح، وضرب الجزية على النصارى وفيهم أنزل سورة آل عمران، وغزا النصارى عام تبوك وفيها أنزل الله سورة براءة. وفي عامة السور المدنية من دعوة أهل الكتاب وخطابهم ما لا تتسع هذه الفتوى لعشره ثم خلفاؤه من بعده ومن معهما من المهاجرين والأنصار قد غزوا الروم كما غزوا فارس وقاتلوا أهل الكتاب كما قاتلوا المجوس فقاتلوا من قاتلهم وضربوا الجزية على من أداها منهم عن يد وهم صاغرون.

ويمضي شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على من يقول: إن اليهود والنصارى مقلدون كما أن المسلمين مقلدون فلا لوم على الجميع! فيقول (17) - رحمه الله: من الأحاديث الصحيحة عنه - صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار) (18) . قال سعيد بن جبير: تصديق ذلك في كتاب الله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود: 17] ، ومعنى الحديث متواتر عنه معلوم بالاضطرار؛ فإذا كان الأمر كذلك لزم بأنه رسول الله إلى كل الطوائف. فإنه يقرر بأنه رسول الله إلى أهل الكتاب وغيرهم، فإن رسول الله لا يكذب، ولا يقتل الناس على طاعته بغير أمر الله ولا يستحل دماءهم وأموالهم وديارهم بغير إذن الله. فمن قال: إن الله أمره بذلك وفعله ولم يكن الله أمره بذلك؛ كان كاذبًا مفتريًا ظالمًا: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} [الأنعام: 93] ، وكان مع كونه ظالمًا مفتريًا من أعظم المريدين في الأرض علوًا وفسادًا، وكان أشر الملوك الجبابرة الظالمين. فإن الملوك الجبابرة الذين يقاتلون الناس على طاعتهم لا يقولون: إنا رسل الله إليكم، ومن أطاعنا دخل الجنة ومن عصانا دخل النار، بل فرعون وأمثاله لا يدخلون في مثل هذا ولا يدخل في هذا إلا نبي صادق أو متنبئ كذاب كمسيلمة والأسود وأمثالهما.

فإذا علم أنه نبي كيفما كان لزم أن يكون ما أخبر به عن الله حقًا. وإذا كان رسول الله وجبت طاعته في كل ما يأمر به، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ} [النساء: 64] ، وإذا أخبر أنه رسول الله إلى أهل الكتاب وأنه تجب عليهم طاعته كان ذلك حقًا، ومن أقر بأنه رسول الله وأنكر أن يكون مرسلًا إلى أهل الكتاب بمنزلة من يقول: إن موسى كان رسولًا ولم يكن يجب أن يدخل أرض الشام ولا يخرج بني إسرائيل من مصر، وأن الله لم يأمره بذلك، وأن الله لم يأمره بالسبت ولا أنزل عليه التوراة ولا كلمه على الطور، ومن يقول: إن عيسى كان رسول الله لم يبعث إلى بني إسرائيل ولا كان يجب على بني إسرائيل طاعته وأنه ظلم اليهود وأمثال ذلك من المقالات، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} إلى قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} [النساء: 150 - 152] الآية. وقال لبني إسرائيل: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} إلى قوله: {وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85] .

فهذه الطريقة الواضحة البينة القاطعة يبين بها لكل مسلم ويهودي ونصراني؛ أن دين المسلمين هو الحق دون اليهود والنصارى فإنها مبنية على مقدمتين: إحداهما أن نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ورسالته وهدى أمته أبين وأوضح، تُعلم بكل طريق تُعلم بها نبوة موسى وعيسى - عليهما الصلاة والسلام - وزيادة، فلا يمكن القول بأنهما نبيان دونه لأجل ذلك. وإن شاء الرجل استدل على ذلك بنفس الدعوة وما جاء به، وإن شاء بالكتاب الذي بعث به وإن شاء بما عليه أمته، وإن شاء بما بعث به من المعجزات؛ فكل طريق من هذه الطرق إذا تبين بها نبوة موسى وعيسى كانت نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - بها أبين وأكمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت