فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 400

بكثير مما عند اليهود والنصارى، وهذا بَبِّنٌ لكل من يبحث عن ذلك. وما عند المسلمين من العبادات الظاهرة والباطنة، مثل الصلوات الخمس وغيرها من الصلوات والأذكار والدعوات أعظم وأجل مما عند أهل الكتاب: فالمسلمون فوقهم في كل نافع وعمل صالح. وهذا يظهر لكل أحد بأدنى نظر ولا يحتاج إلى كثير سعي. والمسلمون متفقون على أن كل هدى وخير يحصل لهم فإنما حصل بنبيهم - صلى الله عليه وسلم -؛ فكيف يمكن مع هذا أن يكون موسى وعيسى نبيين، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - ليس بنبي؟ وأن اليهود والنصارى على الحق (يعني والمسلمون ليسوا كذلك) ؛ فما هم عليه من الهدى ودين الحق أعظم مما عند اليهود والنصارى. وذلك إنما تلقوه عن نبيهم. وهذا القدر يعترف به كل عاقل من اليهود والنصارى يعرفون بأن دين المسلمين حق، وأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رسول الله، وأن من أطاعه منهم دخل الجنة، بل يعترفون بأن دين الإسلام خير من دينهم.

كما أطبقت على ذلك الفلاسفة؛ كما قال ابن سينا وغيره: أجمع فلاسفة العالم على أنه لا يقرع العالم ناموس أعظم من هذا الناموس، لكن من لم يتبعه يعلل نفسه بأنه لا يجب عليه اتباعه؛ لأنه رسول إلى العرب الأميين دون أهل الكتاب؛ لأنه إن كان دينه حقًا فلديننا أيضًا حق والطريق إلى الله تعالى متنوعة. ويشبهون ذلك بمذاهب الأئمة فإنه وإن كان أحد المذاهب يرجُح على الآخر، فأهل المذاهب الأخرى ليسوا كفارًا. هذه الشبهة التي يضل بها المتكايسون من أهل الكتاب والمتفلسفة ونحوهم وبطلانها ظاهر؛ فإنه كما عُلم علمًا ضروريًا متواترًا أنه دعا المشركين إلى الإيمان فقد عُلم بمثل ذلك أنه دعا أهل الكتاب إلى الإيمان به.

وأنه جاهد أهل الكتاب كما جاهد المشركين؛ فجاهد بني قينقاع وبني النضير وقريظة وأهل خيبر؛ وهؤلاء كلهم يهود، وسبى ذريتهم ونساءهم وغنم أموالهم، وأنه غزا النصارى عام تبوك بنفسه وبسراياه حتى قُتل في محاربتهم زيد مولاه وجعفر وغيره من أهله، وأنه ضرب الجزية على نصارى نجران، وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده جاهدوا أهل الكتاب وقاتلوا من قالتهم وضربوا الجزية على من أعطاها منهم عند يد وهم صاغرون.

وهذا القرآن الذي يعرف كل أحد أنه الكتاب الذي جاء به مملوء من دعوة أهل الكتاب إلى اتباعه، ويكفر من لم يتبعه منهم ويذمه ويلعنه، والوعيد له كما في تكفير من لم يتبعه من المشركين وذمه؛ كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم} [النساء: 47] الآية. وفي القرآن من قوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 64] ، {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 40] ، ما لا يحصى إلا بكلفة. وقال تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ} الآية، إلى قوله: {خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 1 - 7] ، ومثل هذا في القرآن كثير جدًا، وقد قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 158] ، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ} [سبأ: 28] ، واستفاض عنه - صلى الله عليه وسلم: (فضلت على الأنبياء بخمس) (16) . وذكر فيها أنه قال: (كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) ، بل تواتر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه بعث إلى الجن والإنس.

فإذا علم بالاضطرار بالنقل المتواتر الذي تواتر كما تواتر ظهور دعوته أنه دعا أهل الكتاب إلى الإيمان به، وأنه حكم بكفر من لم يؤمن به منهم، وأنه أمر بقتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وأنه قاتلهم بنفسه وبسراياه، وأنه ضرب الجزية عليهم وقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وغنم أموالهم، فحاصر بني قينقاع ثم أجلاهم إلى أذرعات وحاصر بني قريظة لما نقضوا العهد وقتل رجالهم وسبى حريمهم وأخذ أموالهم وقد ذكره الله في سورة الأحزاب، وقاتل أهل خيبر حتى فتحها وقتل من قتل من رجالهم وسبى من سبى من حريمهم وقسم أرضهم بين المؤمنين، وقد ذكرها الله تعالى في سورة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت