فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 400

ومن شُبَههم: استدلالهم بحديث الأعمى الذي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلب منه أن يدعو له أن يرد عليه بصره، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: (إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك) ، فقال: بل ادعه. فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: (اللهم إني أسألك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضيها. اللهم فشفعه في) (29) . استدلوا بهذا الحديث على جواز التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتوجه به في قضاء الحاجات.

وقد أجاب عنه الشيخ - رحمه الله - بقوله (30) : هذا توسل بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وشفاعته، وقد دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم: ولهذا قال: (وشفعه فيّ) ، فسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه، وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعائه المستجاب وما أظهر الله ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ثم ذكر الشيخ روايات الحديث عند الأئمة ثم قال:

فإن في الحديث أن الأعمى سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو له وأنه علّم الأعمى أن يدعو وأمره في الدعاء أن يقول: (اللهم فشفعه في) ، وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - داعيًا شافعًا له بخلاف من لم يكن كذلك، فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس في مَحْياه في الدنيا ويوم القيامة إذا شفع لهم.

ومن الشبه التي يدلي بها المجيزون للتوسل بالمخلوقين:

حديث: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا) (31)

وقد أجاب عنه الشيخ (32) - رحمه الله: وهذا الحديث من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد، وهو ضعيف بإجماع أهل العلم. وقد روي من طريق آخر وهو ضعيف أيضًا، ولفظه لا حجة فيه فإن حق السائلين أن يجيبهم وحق العابدين أن يثيبهم، وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم، وبإيجابه على نفسه، ثم قال: وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه في الغار بأعمالهم (33) ؛ فإنه سأله هذا ببره العظيم لوالديه، وسأله هذا بعفته العظيمة عن الفاحشة، وسأله هذا بأدائه العظيم للأمانة.

ومن الشبه التي يدلي بها المجيزون للتوسل بالمخلوقين استدلالهم بقوله تعالى: {وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 89] ، حيث كانت اليهود تستنصر على المشركين بمحمد ويسألون به النصر عليهم.

قال الشيخ (34) : إن اليهود لم يكونوا يقسمون على الله بذاته ولا يسألون به، وذكر أن النقل الثابت أن اليهود كانت تقول للمشركين: سوف يبعث هذا النبي ونقاتلكم معه فنقتلكم. وهذا هو النقل الثابت عند أهل التفسير وعليه يدل القرآن؛ فإنه قال تعالى: {وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ} [البقرة: 89] ، والاستفتاح: الاستنصار، وهو طلب الفتح والنصر، فطلب الفتح والنصر به وهو أن يبعث فيقاتلونهم معه، فبهذا ينصرون، ليس هو بإقسامهم به وسؤالهم به، إذ لو كان كذلك لكانوا إذا سألوا أو أقسموا به نصروا ولم يكن الأمر كذلك، بل لما بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - نصر الله من آمن به وجاهد معه على من خالفه. إلى أن قال: ولم يذكر ابن أبي حاتم وغيره ممن جمع كلام المفسرين من السلف إلا هذا؛ لم يذكروا فيه السؤال به عن أحد من السلف، بل ذكروا الأخبار به أو سؤال الله أن يبعثه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت