فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 400

قال الشيخ - رحمه الله: والوجه الثاني: أن لفظة:"من"في اللغة تكون لبيان الجنس كقولهم: باب من حديد. وقد تكون لابتداء الغاية كقولهم: خرجت من مكة. فقوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ؛ ليس نصًا في أن الروح بعض الأمر ومن جنسه، بل قد تكون لابتداء الغاية إذ كوِّنتْ بالأمر وصدرت عنه، وهذا معنى جواب الإمام أحمد في قوله: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} [النساء: 171] حيث قال: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} ، يقول: من أمره كان الروح منه؛ كقوله: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13] ، ونظير هذا أيضًا قوله: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ} [النحل: 53] ، فإذا كانت المسخرات والنعم من الله ولم تكن بعض ذاته بل منه صدرت لم يجب أن يكون معنى قوله في المسيح: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} أنها بعض ذات الله. ومعلوم أن قوله: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} أبلغ من قوله: {الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ، فإذا كان قوله: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} لا يمنع أن يكون مخلوقًا ولا يوجب أن يكون ذلك بعضًا له بل ولا بعضًا من أمره.

ثم قال الشيخ (26) : وقد يجيء اسم الروح في القرآن بمعنى آخر كقوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] ، وقوله: {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22] ونحو ذلك؛ فالقرآن الذي أنزله الله كلامه.

ثم أجاب الشيخ - رحمه الله - عن قول السائل عن الروح: هل المفوض إلى الله أمر ذاتها أو صفاتها أو مجموعهما؟

فقال: ليس هذا من خصائص الكلام في الروح، بل لا يجوز لأحد أن يقفو ما ليس به علم ولا يقول على الله ما لا يعلم، قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء] ، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف] ، إلى أن قال: وليس في الكتاب والسنة أن المسلمين نهوا أن يتكلموا في الروح بما دل عليه الكتاب والسنة أن المسلمين نهوا أن يتكلموا في الروح بما دل عليه الكتاب والسنة لا في ذاتها ولا في صفاتها، وأما الكلام بغير علم فذلك محرم في كل شيء، ولكن قد ثبت في"الصحيحين" (27) عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في بعض سكك المدينة فقال بعضهم: سلوه عن الروح؟ وقال بعضهم: لا تسألوه فيسمعكم ما تكرهون! قال: فسألوه وهو متكئ على العسيب؛ فأنزل الله هذه الآية فبين بذلك أن مُلْك الرب عظيم وجنوده وصفة ذلك وقدرته أعظم من أن يحيط به الآدميون وهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلًا؛ فلا يظن من يدعي العلم أنه يمكنه أن يعلم كل ما سئل عنه، ولا كل ما في الوجود، فما يعلم جنود ربك إلا هو.

انتهى كلام الشيخ - رحمه الله - وملخصه في موضوع الروح: أنها مخلوقة وليست من ذات الله، وأن معنى قوله في عيسى - عليه السلام: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} ؛ أي: من خلقه وأمره؛ كما في قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13] ، فمن هنا ليست تبعيضية وإنما هي لابتداء الغاية كقوله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ} [النحل: 53] ؛ أي: بخلقه وبتقديره وأمره وغير ذلك. وتبين من كلام الشيخ أيضًا أنه لا يتعين أن يكون المقصود بالروح في قوله: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ؛ أن المراد بها روح الآدمي؛ لأن الروح في القرآن العظيم وردت بمعان متعددة، وأنه لا يمنع الكلام في الروح الآدمية في حدود ما دل عليه الكتاب والسنة من صفاتها وتصرفاتها، وإنما الممنوع القول بلا علم في الروح وغيرها، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت