وأيضًا فقد استفاضت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن الأرواح تقبض وتنعم وتعذب، ويقال لها: أخرجي أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب! أخرجي أيتها الروح الخبيثة كانت في الجسد الخبيث! ويقال للأولى: أبشري بروح وريحان. ويقال للثانية: أبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، وأن أرواح المؤمنين تعرج إلى السماء، وأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء. وفي"صحيح مسلم" (23) عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكين يصعدان بها - قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك - قال: فيقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض. صلى الله عليكِ، وعلى جسدٍ كنت تعمرينه. فينطلق به إلى ربه. ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال: وإن الكافر إذا خرجت روحه - قال حماد: وذكر من نتنها وذكر لعنًا - فيقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض. قال: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال أبو هريرة - رضي الله عنه: فلما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النتن رد على أنفه ريطة كانت عليه، ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - أحاديث كثيرة وأحاديث في هذا المعنى ثم قال: فقد بان بما ذكرناه أن من قال: إن أرواح بني آدم قديمة غير مخلوقة فهو من أعظم أهل البدع الحلولية الذين يجر قولهم إلى التعطيل بجعل العبد هو الرب وغير ذلك من البدع الكاذبة المضلة.
يواصل الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله - الرد على من يقول (24) : إن الأرواح قديمة، ويبين معنى قوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] ، فيقول: وأما قوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} فقد قيل: إن الروح هنا ليس هو روح الآدمي. وإنما هو ملك أو ما ذكر في قوله: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ} [النبأ: 38] ، وقوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] ، وقوله: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم} [القدر: 4] . وقيل: بل هو روح الآدمي، والقولان مشهوران. سواء كانت الآية تعمهما أو تتناول أحدهما. فليس فيها ما يدل على أن الروح غير مخلوقة لوجهين: أن الأمر في القرآن يراد به المصدر تارة، ويراد به المفعول تارة أخرى وهو المأمور به كقوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] ، وقوله: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب: 38] . ولو قيل أن الروح بعض أمر الله أو جزء من أمر الله ونحو ذلك مما هو صريح في أنها بعض أمر الله لم يكن المراد بلفظ الأمر إلا المأمور به لا المصدر؛ لأن الروح عين قائمة بنفسها، تذهب وتجيء وتنعم وتعذب، وهذا لا يتصور أن يكون مسمى مصدر: أمر يأمر أمرًا. وهذا قول سلف الأمة وأئمتها وجمهورها، ومن قال من المتكلمين: إن الروح عرض قائم بالجسم فليس عنده مصدر. أمر يأمر أمرًا.
والقرآن إذا سمي أمر الله فالقرآن كلام الله، والكلام اسم مصدر: كلم يكلم تكليمًا وكلامًا. فإذا سمي أمرًا بمعنى المصدر كان ذلك مطابقًا لا سيما، والكلام نوعان: أمر وخبر. أما الأعيان القائمة بأنفسها فلا تسمى أمرًا إلا بمعنى المفعول به وهو المأمور به كما سمي المسيح كلمة لأنه مفعول بالكلمة، وكما يسمى المقدور قدرة والجنة رحمة والمطر رحمة في مثل قوله تعالى: {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الروم: 50] ، وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه أنه قال للجنة: (أنت رحمتي أرحم بك من شئت) (25)
ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - عن أبي قتيبة أنواع الروح المذكورة في القرآن فقال: هي روح الأجسام التي يقبضها الله عند الممات، والروح جبريل، قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الروم] ، وقال: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 87] ؛ أي: جبريل. والروح فيما ذكره المفسرون مَلَكٌ عظيم من ملائكة الله تعالى يقوم وحده فيكون صفًا وتقوم الملائكة صفًا. وقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] ، قال ابن قتيبة: ونَسب الروح إلى الله لأنه بأمره أو لأنه بكلمته"يعني عيسى".