فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 400

سود مثل الفحم. وقال - صلى الله عليه وسلم: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ترتع في الجنة وتأوي في فناء العرش وأرواح الكفار في برهوت) (22) .

وقال الشيخ أبو يعقوب النهرجوري: هذه الأرواح من أمر الله مخلوقة، خلقها الله في الملكوت، كما خلق آدم من التراب. وكل عبد نسب روحه إلى ذات الله أخرجه ذلك إلى التعطيل. والذين نسبوا الأرواح إلى ذات الله هم أهل الحلول الخارجون إلى الإباحة. وقالوا: إذا صفت أرواحنا من أكدار نفوسنا فقد اتصلنا وصرنا أحرارًا، ووضعت عنا العبودية، وأبيح لنا كل شيء من اللذات من النساء والأموال وغير ذلك. وهم زنادقة هذه الأمة.

ثم قال الشيخ - رحمه الله: واعلم أن القائلين بقدم الروح صنفان: صنف من الصابئة الفلاسفة، يقولون: هي قديمة أزلية لكن ليست من ذات الرب، كما يقولون ذلك في العقول والنفوس الفلكية، ويزعم من دخل في الملل منهم أنها هي الملائكة. وصنف من زنادقة هذه الأمة وضلالها من المتصوفة والمتكلمة والمحدثة يزعمون من ذات الله وهؤلاء أشر قولًا من أولئك، وهؤلاء جعلوا الآدمي قسمين: نصف لاهوت وهو روحه، ونصف ناسوت وهو جسده؛ نصفه رب، ونصفه عبد! وقد كفر الله النصارى بنحو من هذا القول في المسيح؛ فكيف بمن يعم ذلك في كل أحد حتى في فرعون وهامان وقارون؟

أقول: وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام من تضليل الذين يمجدون الروح حتى يزعم غلاتهم أنها من ذات الله ويذمون البدن لأنه مخلوق من الطين، مثلهم بعض الكتاب الجهال اليوم الذين يثنون على الروح ويزعمون أن ما يفعله الإنسان ويتصف به من الخير فهو من تأثير روحه، ويذمون البدن لأنه مخلوق من الطين ويرجعون ما يفعله الإنسان أو يتصف به من الشر إلى تأثير بدنه، فكلامهم هذا يشبه كلام النصارى وكلام ملاحدة الفلاسفة، بل يشبه قول إبليس: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12] فإبليس ذم آدم وتنقصه لأنه مخلوق من طين، والحق أن الطين منه ما هو طيب لا ذم فيه لأنه ينتج النبات الطيب والمعائش الطيبة والفواكه ومنه ما هو سبخ لا ينتج شيئًا، وبالجملة فالطين كله طاهر طهور.

والروح منها ما هو روح طيبة وهي روح المؤمن، ومنها ما هو روح خبيثة، وهي روح الكافر كما جاء في الحديث. فليست الروح كلها طيبة علوية كما يقول هؤلاء الجهال وليس الطين والتراب مذمومين، وما يفعله الإنسان ويتصف به من الخير فهو نتيجة دعوة الرسل واتباعهم، وما يفعله ويتصف به من الشر فهو نتيجة مخالفة الرسل، قال تعالى: {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه: 123 - 124] الآيات.

ثم قال شيخ الإسلام - رحمه الله: فالإنسان عبارة عن الروح والبدن معًا. بل هو بالروح أخص منه بالبدن، وإنما البدن مطية للروح، كما قال أبو الدرداء: إنما بدني مطيتي، فإن رفقت بها بلغتني، وإن لم أرفق بها لم تبلغني. وقد رواه ابن منده وغيره عن ابن عباس، قال: لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلق حتى تختصم الروح والبدن. فتقول الروح للبدن: أنت عملت السيئات. فيقول البدن للروح: أنت أمرتني، فيبعث الله ملكًا يقضي بينهما؛ فيقول: إنما مثلكما كمثل مُقعَد وأعمى دخلا بستانًا، فرأى المُقعَد فيه تمرًا معلقًا. فقال للأعمى: إني أرى ثمرًا ولكن لا أستطيع النهوض إليه، وقال الأعمى: لكني أستطيع النهوض إليه لكني لا أراه. فقال له المقعد: تعال فاحملني حتى أقطفه. فحمله وجعل يأمره فيسير به إلى حيث يشاء فقطف الثمرة. قال الملك: فعلى أيهما العقوبة؟ فقالا: عليهما جميعًا! قال: فكذلك أنتما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت