فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 400

أناسًا من المشركين يقال لهم:"السُّمَّنَيَّة"فعرفوا الجهم فقالوا له: نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك.

فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا: ألست تزعم أن لك إلها؟ قال الجهم: نعم. فقالوا له: فهل رأيت إلهك؟ قال: لا. قالوا: فهل سمعت كلامه؟ قال: لا. قالوا: فهل شممت له رائحة؟ قال: لا. قالوا له: فوجدت له مجسًا؟ قال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير الجهم، فلم يدر من يعبد أربعين يومًا. ثم أنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى. فذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذاته؛ فإذا أراد أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، وهو روح غائب عن الأبصار. فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة، فقال: للسُّمَّنيَّ: ألست تزعم أن فيك روحًا؟ قال: نعم. قال: فهل رأيت روحك؟ قال: لا. قال: فهل سمعت كلامه؟ قال: لا. قال: فوجدت له حسًا ومجسًا؟ قال: لا. قال: كذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان.

وساق الإمام أحمد الكلام في القرآن والرؤية وغير ذلك،. . . إلى أن قال: ثم إن الجهم ادعى أمرًا فقال: إنا وجدنا آية في كتاب الله تدل على القرآن أنه مخلوق. وقلنا: أي آية؟ قال: قول الله {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} [النساء: 171] ، وعيسى مخلوق: فقلنا: إن الله منعك الفهم في القرآن، عيسى تجري عليه ألفاظ لا تجري على القرآن؛ لأنه يسميه مولودًا وطفلًا وصبيًا وغلامًا. يأكل ويشرب، وهو مخاطب بالأمر والنهي، يجري عليه الوعد والوعيد ثم هو من ذرية نوح ومن ذرية إبراهيم. ولا يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى؛ هل سمعتم الله يقول في القرآن ما قال في عيسى؟ ولكن المعنى في قول الله: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} [النساء: 171] ، فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: {كُن} فكان عيسى"بكن"، وليس عيسى هو الكن. ولكن بالكن كان، فالكن من الله قول، وليس الكن مخلوقًا. وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى وذلك أن الجهمية قالوا: عيسى روح الله وكلمته. إلا أن الكلمة مخلوقة. وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله. كما يقال: أن هذه الخرقة من هذا الثوب. وقلنا نحن: أن عيسى بالكلمة كان وليس هو الكلمة. قال: وقول الله: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} ، يقول: من أمره كان الروح فيه، كقوله: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13] ، يقول: من أمره. وتفسير روح الله: أنها روح بكلمة الله. خلقها الله كما يقال: عبد الله وسماء الله. فقد ذكر الإمام أحمد: أن زنادقة النصارى هم الذين يقولون: أن روح عيسى من ذات الله، وبين أن إضافة الروح إضافة ملك وخلق، كقولك: عبد الله وسماء الله. لا إضافة صفة إلى موصوف؛ فكيف بأرواح الآدميين؟ وبين أن هؤلاء الزنادقة الحلولية يقولون بأن الله إذا أراد أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه.

يواصل الشيخ - رحمه الله - عن حقيقة الروح فيقول (21) : وقال الشيخ أبو سعيد الخراز أحد أكابر المشائخ الأئمة من أقران الجنيد فيما صنفه من أن الأرواح مخلوقة، وقد احتج بأمور منها: لو لم تكن مخلوقة لما أقرت بالربوبية. وقد قال لهم حين أخذ الميثاق وهم أرواح في أشباح كالذر: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172] ، وإنما خاطب الروح مع الجسد، وهل يكون الرب إلا لمربوب؟

قال: ولأنها لو لم تكن مخلوقة ما كان على النصارى لوم في عبادتهم عيسى، ولا حين قالوا: إنه ابن الله، وقالوا: هو الله؟ قال: ولأنه لو كان الروح غير مخلوقة ما دخلت النار، ولأنها لو كانت غير مخلوقة لما حجبت عن الله ولا غيبت في البدن ولا ملكها ملك الموت ولما كانت صورة توصف، ولأنها لو لم تكن مخلوقة لم تحاسب ولم تعذب ولم تتعبد ولم تخف ولم ترج، ولأن أرواح المسلمين تتلألأ وأرواح الكفار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت