الْمُبِينُ [النحل: 35] ، وقال تعالى فيما رواه مسلم في"صحيحه" (18) من حديث عياض بن حمار: (إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا) . وقال في حق النصارى: {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} [التوبة: 29] . ومثال ذلك: أن يحصل من بعضهم تقصير في المأمور أو اعتداء في المنهي، إما من جنس الشبهات وإما من جنس الشهوات، فيقابل ذلك بعضهم بالاعتداء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بالتقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والتقصير والاعتداء إما في المأمور به والمنهي عنه شرعًا، وإما في نفس أمر الناس ونهيهم: هو الذي استحق به أهل الكتاب عقوبة، حيث قال: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة] فجعل ذلك بالمعصية والاعتداء، والمعصية مخالفة الأمر وهو التقصير والاعتداء مجاوزة الحد، وكذلك يُضَمَّن كل مؤتمن على مال إذا قصر أو فرط فيما أمر به، وهو المعصية إذا اعتدى بخيانة أو غيرها، ولهذا قال: {وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] فالإثم هو المعصية. والله أعلم.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها) (19) . فالمعصية تضييع الفرائض وانتهاك المحارم وهو مخالفة الأمر والنهي. والاعتداء مجاوزة حدود المباحات. وقال تعالى: {يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 157] ؛ فالمعصية مخالفة أمره ونهيه. والاعتداء مجاوزة ما أحله إلى ما حرمه، وكذلك قوله - والله أعلم-: {ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} [آل عمران: 147] ؛ فالذنوب: المعصية. والإسراف: الاعتداء ومجاوزة الحد.
واعلم أن مجاوزة الحد هي نوع من مخالفة النهي؛ لأن اعتداء الحد محرم منهي عنه فيدخل في قسم المنهي عنه، لكن المنهي عنه قسمان: منهي عنه مطلقًا كالكفر، فهذا فعله إثم ومنهي عنه. وقسم أبيح منه أنواع ومقادير وحرم الزيادة على تلك الأنواع والمقادير، فهذا فعله عدوان. وكذلك قد يحصل العدوان في المأمور به كما يحصل في المباح؛ فإن الزيادة على المأمور به قد يكون عدوانًا محرمًا، وقد يكون مباحًا مطلقًا، وقد يكون مباحًا إلى غاية؛ فالزيادة عليها عدوان. ولهذا التقسيم قيل في"الشريعة": هي الأمر والنهي والحلال والحرام والفرائض والحدود والسنن والأحكام، فالفرائض هي المقادير في المأمور به، والحدود: النهايات لما يجوز من المباح المأمور به وغير المأمور به.
وقال - رحمه الله- في الرسالة المسماة"بالوصية الكبرى" (20) : وهذه الفرقة الناجية أهل السنة وهم وسط في النحل كما أن ملة الإسلام وسط في الملل.
فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون. ولا جفوا عنهم كما جفت اليهود فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا وقتلوا فريقًا. بل المؤمنون آمنوا برسل الله وعزروهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم وأطاعوهم ولم يعبدوهم، ولم يتخذوهم أربابًا، كما قال تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَامُرَكُمْ أَن