فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 400

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية (26) ـ رحمه الله ـ عن صالحي بني آدم والملائكة؛ أيهما أفضل بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية والملائكة أفضل باعتبار البداية؛ فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير صالحو البشر أكمل من حال الملائكة.

وقال أيضًا: قد ثبت عن عبد الله بن عمرو أنه قال: (إن الملائكة قالت: يا رب! جعلت بني آدم يأكلون في الدنيا ويشربون ويتمتعون؛ فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا! قال: لا أفعل. ثم أعادوا عليه فقال: لا أفعل. ثم أعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا فقال: وعزتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان) ؛ ذكره عثمان بن سعيد الدارمي، ورواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرسلًا (27)

وعن عبد الله بن سلام أنه قال: ما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد! فقيل له: ولا جبريل ولا ميكائيل؟ فقال للسائل: أتدري ما جبريل وما ميكائيل؟ إنما جبريل وميكائيل خلق مسخر كالشمس والقمر (28)

وما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وما علمت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك، وهذا هو المشهور عند المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو أن الأنبياء والأولياء أفضل من الملائكة.

قال الشيخ: ولنا في هذه المسألة مصنف مفرد ذكرنا فيه الأدلة من الجانبين.

وسئل (29) ـ رحمه الله ـ عن آدم لما خلقه الله ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته؛ هل سجد ملائكة السماء والأرض خاصة؟ وهل كان جبرائيل وميكائيل مع من سجد؟ وهل كانت الجنة التي سكنها جنة الخلد الموجودة؟ أم جنة في الأرض خلقها الله له؟ ولما أهبط هل أهبط من السماء إلى الأرض؟ أم من أرض إلى أرض، مثل بني إسرائيل؟

وهذا سؤال ذو فقرات مهمة، أجاب عنه الشيخ ـ رحمه الله ـ فقرة فقرة فقال:

الحمد لله: بل أسجد له جميع الملائكة؛ كما نطق بذلك القرآن في قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] فهذه ثلاث صيغ مقرره للعموم وللاستغراق؛ فإن قوله: {الْمَلآئِكَةُ} [البقرة: 31] ؛ يقتضي جميع الملائكة؛ فإن اسم الجمع المعرف بالألف واللام يقتضي العموم كقوله: رب {الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ} [المعارج: 4] فهو رب جميع الملائكة.

الثاني {كلهم} وهذا من أبلغ العموم.

الثالث: قوله: {أجمعون} وهذا توكيد للعموم. فمن قال: إنه لم يسجد له جميع الملائكة بل ملائكة الأرض؛ فقد رد القرآن بالكذب والبهتان، وهذا القول ونحوه ليس من أقوال المسلمين واليهود والنصارى، وإنما هو من أقوال الفلاسفة والملاحدة الذين يجعلون الملائكة قوى النفس الصالحة، والشياطين قوى النفس الخبيثة، ويجعلون سجود الملائكة طاعة القوى للعقل، وامتناع الشياطين عصيان القوى الخبيثة للعقل، ونحو ذلك من المقالات التي يقولها أصحاب رسائل"إخوان الصفا"وأمثالهم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت