فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 400

السائل قال تعالى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى: 10] ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج] ، وقال تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36] ، ومنه الحديث: (إن أحدكم ليسألني المسألة فيخرج بها يتأبطها نارًا) (17) وقد يكون السؤال منهيًا عنه نهي تحريم أو تنزيه وإن كان المسئول مأمورًا بإجابة سؤاله. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان من كماله أن يعطي السائل وهذا في حقه من فضائله ومناقبه وهو واجب أو مستحب، وإن كان نفس سؤال السائل منهيًا عنه.

إلى أن ذكر الشيخ - رحمه الله - أن من آداب المعطي والمنفق أن لا يمنّ بعطائه، ولا يطلب من المُعطي جزاء على ذلك من الخلق، قال: ومن الجزاء أن يطلب الدعاء قال تعالى عمن أثنى عليهم: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 9] ، والدعاء جزاء كما في الحديث: (من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه) (18) ، وكانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول: اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا لنا، ويبقى أجرنا على الله. وقال بعض السلف إذا قال لك السائل: بارك الله فيك؛ فقل: وفيك بارك الله. فمن عمل خيرًا مع المخلوقين سواء كان المخلوق نبيًا أو رجلًا صالحًا أو ملكًا من الملوك أو غنيًا من الأغنياء، فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ذلك خالصًا لوجه الله يبتغي به وجه الله، لا يطلب به من المخلوق جزاء ولا دعاء ولا غيره؛ لا من نبي ولا رجل صالح؛ فإن الله أمر العباد كلهم أن يعبدوه مخلصين له الدين. وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل فلا يقبل من أحد دينًا غيره، قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] ، ودين الإسلام مبني على أصلين: أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبده بما شرعه من الدين وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب؛ فيعبد في كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان. فلما كانت شريعة التوراة محكمة صار العاملون بها مسلمين وكذلك شريعة الإنجيل. وكذلك في أول الإسلام لما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى البيت المقدس كانت صلاته إليه من الإسلام، ولما أمر بالتوجه إلى الكعبة كانت الصلاة إليها من الإسلام والعدول عنها إلى الصخرة خروجًا عن دين الإسلام.

فكل من لم يعبد الله بعد مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - بما شرعه الله له من واجب ومستحب فليس بمسلم، ولا بد في جميع الواجبات والمستحبات أن تكون خالصة لله رب العالمين. إلى أن قال - رحمه الله: فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة كالإيمان بالله ورسوله والعبادات البدنية والمالية ومحبة الله ورسوله والإحسان إلى عباد الله بالنفع والمال، هو مأمور بأن يفعله خالصًا لله رب العالمين، لا يطلب من مخلوق عليه جزاء لا دعاء ولا غير دعاء؛ فإن سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد: مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي نوع من الشرك، ومفسدة إيذاء المسئول؛ وهي نوع من ظلم الخلق، ومفسدة الذل لغير الله؛ وهو ظلم للنفس.

ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - طلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عمر أن يدعو له لما أراد العمرة (19) وأجاب عنه بأن طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من عمر أن يدعو له كطلبه أن يصلي عليه ويسلم عليه، وأن يسأل الله له الوسيلة والدرجة الرفيعة؛ فمقصوده نفع المطلوب منه، والإحسان إليه، وهو - صلى الله عليه وسلم - ينتفع بتعليمهم الخير وأمرهم به.

ومن قال لغيره من الناس: ادع لي أو لنا، وقصده أن ينتفع ذلك المأمور بالدعاء وينتفع هو أيضًا بأمره؛ فهو مقتد بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وليس هذا من السؤال المرجوح، وأما إن لم يكن قصده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع المطلوب منه، فهذا ليس من المقتدين بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل هذا من السؤال المرجوح الذي تركه إلى الرغبة إلى الله وسؤاله (20) أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله، وهذا كله في سؤال الأحياء. وأما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت