فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 400

الموت. وقد ثبت في"الصحيحين"من غير وجه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أتى المشركين يوم بدر في القليب ناداهم: (يا فلان! يا فلان! هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فقد وجدت ما وعدني ربي حقًا) (49) . وهذا دليل على وجودهم وسماعهم وأنهم وجدوا ما وُعدوه بعد الموت من العذاب، وأما نفس قتلهم فقد علمه الأحياء منهم، وقال تعالى في سورة النساء: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء] ، وهذا خطاب لهم إذا توفتهم الملائكة وهم لا يعاينون الملائكة إلا وقد يئسوا من الدنيا. ومعلوم أن البدن لم يتكلم لسانه بل هو شاهد يُعلم أن الذي يخاطب الملائكة هو النفس، والمخاطب لا يكون عَرَضًا. وقال تعالى في سورة النحل: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} ، وهذا إلقاء للسلم حين الموت، وقول للملائكة: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ} ، وهذا إنما يكون من النفس"يعني بعد الموت"، وقال تعالى في سورة النحل: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ، وقال في فصلت: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت] ، وقد ذكروا أن هذا التنزل عند الموت. وقال تعالى في سورة آل عمران: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران] ، وقال قبل ذلك في سورة البقرة: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} [البقرة] ، وأيضًا قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: 42] .

وهذا بيان لكون النفس تقبض وقت الموت، ثم منها ما يمسك فلا يرسل إلى بدنه، وهو الذي قضى عليه بالموت، ومنها ما يرسل إلى أجل مسمى، هذا إنما يكون في شيء يقوم بنفسه لا في عرض قائم بغيره، فهو بيان لوجود النفس المفارقة بالموت والأحاديث الصحيحة توافق هذا كقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (باسمك ربي وضعت جنبي. وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي فارحمها. وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) (50) ، وقال لما ناموا عن صلاة الفجر: (إن الله قبض أرواحنا حيث شاء) (51) وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام] ، فهذا توف لها بالنوم إلى أجل الموت الذي ترجع فيه إلى الله. وإخبارٌ أن الملائكة تتوفاها بالموت ثم يردون إلى الله. والبدن وما يقوم به من الأعراض لا يرد، إنما يُردُّ الروح، وهو مثل قوله في يونس: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّهِ} وقال تعالى: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} [العلق] ، وقال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر] ، وقال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة] ، وتوفي الملكِ إنما يكون لما هو موجود قائم بنفسه، وإلا فالعَرض القائم بغيره لا يتوفى، فالحياة القائمة بالبدن لا تتوفى بل تزول وتعدم كما تعدم حركته وإدراكه.

وقال تعالى في سورة المؤمنون: {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون] ، فقوله: {ارْجِعُونِ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت