فهرس الكتاب

الصفحة 339 من 400

ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون) (67)

وكذلك ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إن لله ملائكة سياحين يتتبعون مجالس الذكر فإذا مروا على قوم يذكرون الله تعالى ينادون: هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ قال: فيقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك) (68)

الوجه الثاني (69) : أنه قال فيه: (من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟) وهذه العبارة لا يجوز أن يقولها ملك عن الله. بل الذي يقول الملك ما ثبت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إني أحب فلانًا فأحبه فيحبه جبريل. ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه. فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض) (70) ، وذكر في البغض مثل ذلك. فالملك إذا نادى عن الله لا يتكلم بصيغة المخاطِب بل يقول: إن الله أمر بكذا وقال كذا. وهكذا إذا أمر السلطان مناديًا ينادي فإنه يقول: يا معشر الناس أمر السلطان بكذا ونهى عن كذا ورسم كذا. لا يقول: أمرت بكذا ونهيت عن كذا، بل لو قال ذلك بودر إلى عقوبته.

وهذا تأويل من التأويلات الجهمية القديمة فإنهم تأولوا تكليم الله لموسى -عليه السلام- بأنه أمر ملكًا فكلمه، فقال لهم أهل السنة: لو كلمه ملك لم يقل: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: 14] ، بل كان يقول المسيح -عليه السلام-: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} ، فالملائكة رسل الله إلى الأنبياء تقول كما كان جبريل -عليه السلام- يقول لمحمد -صلى الله عليه وسلم-: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} [مريم: 64] ويقول: إن الله يأمرك بكذا. ويقول: كذا. ولا يمكن أن يقول ملك من الملائكة: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} ، ولا يقول:"من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له"، ولا يقول: (لا أسأل عن عبادي غيري) ، كما رواه النسائي وابن ماجه وسندهما صحيح (71)

ثم قال الشيخ: وإن تأول ذلك بنزول رحمته أو غير ذلك. قيل: الرحمة التي تثبتها إما أن تكون عينًا قائمة بنفسها وإما أن تكون صفة قائمة في غيرها؛ فإن كانت عينًا وقد نزلت إلى السماء الدنيا لم يمكن أن تقول: من يدعوني فأستجب له؟ كما لا يمكن الملك أن يقول ذلك. وإن كانت صفة من الصفات فهي لا تقوم بنفسها بل لا بد لها من محل، ثم لا يمكن الصفة أن تقول هذا الكلام ولا محلها، ثم إذا نزلت الرحمة إلى السماء الدنيا ولم تنزل إلينا فأي منفعة لنا في ذلك؟ وإن قال: بل الرحمة ما ينزل على قلوب قوام الليل في تلك الساعة من حلاوة المناجاة والعبادة، وطيب الدعاء والمعرفة، وما يحصل في القلب من مزيد المعرفة بالله والإيمان به وذكره وتجليه لقلوب أوليائه، فإن هذا أمر معروف يعرفه قوام الليل.

قيل له: حصول هذا في القلوب حق، لكن هذا ينزل إلى الأرض إلى قلوب عباده لا ينزل إلى سماء الدنيا، ولا يصعد بعد نزوله. وهذا يوجد في القلوب يبقى بعد طلوع الفجر، لكن هذا النور والبركة والرحمة التي في القلوب هي من آثار ما وصف به نفسه من نزوله بذاته -سبحانه وتعالى-؛ كما وصف نفسه بالنزول عشية عرفة في عدة أحاديث صحيحة، وبعضها في"صحيح مسلم" (72) عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه -عز وجل- ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟) ، وعن جابر بن عبد الله -رضي الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت