فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 400

وقال أيضًا (23) : وقد أرسل الله رسوله إلى الثقلين الجن والإنس فعلى كل أحد أن يؤمن به وبما جاء به ويتبعه في باطنه وظاهره، والإيمان به ومتابعته هو سبيل الله وهو دين الله وهو عبادة الله وهو طاعة الله، وهو طريق أولياء الله، وهو الوسيلة التي أمر الله بها عبادة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] ، فابتغاء الوسيلة إلى الله إنما تكون لمن توسل إلى الله بالإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - واتّباعه. وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد باطنًا وظاهرًا في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبعد موته في مشهده ومغيبه، لا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق في حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه، ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا بالتوسل بالإيمان به وبطاعته، وهو - صلى الله عليه وسلم - شفيع الخلائق صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وهو أعظم الشفعاء قدرًا وأعلاهم جاهًا عند الله، لكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له - يعني في حال حياته صلى الله عليه وسلم - كما كان الصحابة يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.

ولفظ التوسل في عرف الصحابة كانوا يستعملونه في هذا المعنى - أي: التوسل بدعائه وطاعته واتباعه - والتوسل بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به، وأما بدون الإيمان به فالكفار والمنافقون لا تغني عنهم شفاعة الشافعين في الآخرة؛ ولهذا نُهي عن الاستغفار لعمه وأبيه وغيرهما من الكفار، ونُهي عن الاستغفار للمنافقين وقيل له: {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6] ، ولكن الكفار يتفاضلون في الكفر كما يتفاضل أهل الإيمان في الإيمان؛ قال الله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37] ، والشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا، ومثَّل شيخ الإسلام بالخليلين محمد وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام -؛ حيث منع محمد - صلى الله عليه وسلم - من الاستغفار لعمه أبي طالب. ومنع إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - من الاستغفار لأبيه، وأورد الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113] ، ثم قال (24) - رحمه الله:

"فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان:"

أحدها: التوسل بطاعته فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به.

الثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته - صلى الله عليه وسلم -، ويكون يوم القيامة؛ يتوسلون بشفاعته.

والثالث: التوسل بمعنى الإقسام على الله بذاته - صلى الله عليه وسلم - والسؤال بذاته؛ فهذا هو الذي لم يكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره. ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عن من ليس قوله حجة، وهذا هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز ونهوا عنه، حيث قالوا: لا يسأل بمخلوق ولا يقول أحد: أسألك بحق نبيك، وقال أبو الحسين القدوري (25) : المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا تجوز وفاقًا.

قال الشيخ (26) - رحمه الله: ومن أطاع أمرهم الذي بلغوه عن الله كان سعيدًا، ولكن ليس نفس مجرد قدرهم وجاههم مما يقتضي إجابة دعائه إذا سأل الله بهم حتى يسأل الله بذلك، بل جاههم ينفعه إذا اتبعهم وأطاعهم فيما أمروا به عن الله أو تأسى بهم فيما سنوه للمؤمنين، وينفعه أيضًا إذا دعوه وشفعوا فيه. فأما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت