قال: فأما الأصلان؛ فأحدهما: أن يقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض. فإن كان المخاطب ممن يقول بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهته؛ فيجعل ذلك مجازًا ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات. فيقال له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين فكذلك محبته ورضاه وغضبه وهذا هو التمثيل. وإن قلت: إن له إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به وللمخلوق رضا وغضب يليق به. فإن قال: تلك الصفات أثبتُّها بالعقل؛ لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك.
ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - عن ذلك جوابين:
الأول: أن يكون العقل دل على هذه الصفات التي ذكرتها فإنه لا ينفي ما عداها؛ لأن عدم الدليل المعين، لا يستلزم عدم المدلول المعين، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت. وقد دل الشرع على هذه الصفات التي نفيتها، ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي؛ فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم.
والجواب الثاني أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات التي نفيتها بالدليل العقلي أيضًا: بأن يقال: نفع العباد والإحسان إليهم يدل على الرحمة كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكافرين يدل على بغضهم. كما ثبت بالشهادة والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه. والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته تدل على حكمته البالغة. ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم؛ أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة.
ثم قال الشيخ - رحمه الله: وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء كالمعتزلي الذي يقول: إنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة؛ قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات. فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيهًا أو تجسيمًا؛ لأنا لا نجد في الشاهد متصفًا بالصفات إلا ما هو جسم. فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم؛ فانف الأسماء بل وكلَّ شيء لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم. إلى أن قال (8) - رحمه الله:
الأصل الثاني: القول في الصفات كالقول في الذات؛ فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل سائر الصفات. فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ قيل له: كما قال ربيعة ومالك (9) وغيرهما - رضي الله عنهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة؛ لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر ولا يمكنهم الإجابة عنه.
وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: لا أعلم كيفيته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله؛ إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف وهو فرع له وتابع له. فكيف تطالبني بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟ وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه