رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا [النساء] ، قال:
وفي هذه الآيات أنواع من العبر من الدلالة على ضلال من يتحاكم إلى غير الكتاب والسنة وعلى نفاقه، وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية، وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخذوة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب، وغير ذلك من أنواع الاعتبار، فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلًا، أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نُهي عنها، أو لاتباع هواه بغير هدى من الله؛ فهو الظالم لنفسه وهو من أهل الوعيد. بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنًا وظاهرًا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا مغفور له خطؤه.
كما قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا} [البقرة] ، وقد ثبت في"صحيح مسلم"أن الله قال: (قد فعلت) (56) ، وكذلك ثبت فيه حديث ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطي ذلك (57) ؛ فهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنبي والمؤمنين وأن الله لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا.
وقال في موضع آخر (58) : والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد. وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد. والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد. فأما القادر على الاجتهاد؛ فهل يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد: إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور دليل له؛ فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه، وانتقل إلى بدله وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء.
وقال (59) : قد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) (60) ، ولازم ذلك أن من لم يفقهه في الدين لم يرد به خيرًا؛ فيكون التفقه في الدين فرضًا.
والتفقه في الدين: معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية؛ فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقهًا في الدين؛ لكن من الناس من قد يعجز عن معرفة الأدلة التفصيلية في جميع أموره فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته ويلزمه ما يقدر عليه. وأما القادر على الاستدلال، فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقًا، وقيل: يجوز مطلقًا. وقيل: يجوز عند الحاجة كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال، وهذا القول أعدل الأقوال.
والاجتهاد ليس هو أمر واحد لا يقبل التجزي والانقسام، بل قد يكون الرجل مجتهدًا في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة. وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه. فمن نظر في مسألة تنازع العلماء فيها ورأى مع أحد القولين نصوصًا لم يعلم لها معارضًا بعد نظر مثله فهو بين أمرين: إما أن يتبع قول القائل الآخر لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه، ومثله ليس بحجة شرعية، بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره واشتغالٍ على مذهب إمام آخر. وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه، وحينئذ فتكون موافقته لإمام يقاوم ذلك الإمام، وتبقى النصوص سالمة في حقه عن المعارض