فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 400

دعوة الخلق إلا بهذه الطريق التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد؛ فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر.

وأما الأعمال فمنهم من يقرها ومنهم من يجريها هذا المجرى ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض ويؤمر بها العامة دون الخاصة؛ فهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم، وأما أهل التأويل فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في صرف النصوص عن مدلولها، ومقصودة امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرف الحق من غيره جهته! وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك.

والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء إذ كان نفور الناس عن الأولين مشهورًا بخلاف هؤلاء فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا. لكن أولئك الملاحدة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءوا بمعاد الأبدان، وقد علمنا فساد الشبه المانعة منه.

وأهل السنة يقولون لهم: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد، ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه، بخلاف الصفات، فإنه لم ينكر شيئًا منها أحد من العرب؛ فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات، ليس كما أخبر به وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟

وأيضًا فقد علم أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه وبدلوه. معلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات؛ فلو كان هذا مما بدل وحرف لكان إنكار ذلك عليهم أولى! فكيف، وكانوا إذا ذكروا الصفات بين يديه يضحك تعجبًا منهم وتصديقًا لهم، ولم يعيبهم قط بما تعيب به النفاة أهل الإثبات؛ مثل التجسيم والتشبيه ونحو ذلك؟ بل عابهم بقولهم: {يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] وقولهم: {إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} [آل عمران: 181] وقولهم: إنه استراح يوم السبت لما خلق السماوات والأرض، فقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: 38] ، والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كالقرآن. فهذا جاز أن تتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفر به أحدهما أولى. والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل فالأول أولى بالبطلان.

وأما الصنف الثالث وهم أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة، واتباع السلف يقولون: إن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات ولا جبريل يعرف معاني الآيات ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك، وكذلك قولهم في أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمها إلا الله مع أن الرسول تكلم بها ابتداء. فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه!

وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران: 7] ؛ فإنه وقف أكثر السلف على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران: 7] ، وهو وقف صحيح لكن لم يفرقوا بين معنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت