فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 400

الكلام وتفسيره، وبين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعلمه، وظنوا أن التأويل المذكور في كلام الله ـ تعالى ـ هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين وغلطوا في ذلك.

يبين الشيخ رحمه الله معنى التأويل (15) ، وأيها التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ليقطع بذلك حجة الذين جعلوا أسماء الله وصفاته مما لا يعلم تأويله إلا الله، وهم الذين يسمون بالمفوضة، فيقول: فإن لفظ التأويل يراد به ثلاث معان:

فالتأويل: في اصطلاح كثير من المتأخرين هو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك، فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهر تأويلًا على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلًا يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله ولا يعلمه المتأولون، ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجري على ظاهرها فظاهرها مراد مع قولهم: إن لها تأويلًا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله، وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم.

والمعنى الثاني: أن التأويل هو تفسير الكلام سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه، وهذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم، وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ} [آل عمران: 7] ، كما نقل ذلك عن ابن عباس ومجاهد ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن إسحاق وابن قتيبة وغيرهم، وكلا القولين حق باعتبار. ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهما حق.

والمعنى الثالث: أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها، وإن وافقت ظاهره فتأويل ما أخبر الله به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة، وغير ذلك هو الحقائق الموجودة أنفسها، لا ما يتصور من معانيها في الأذهان ويعبر عنه باللسان، وهذا هو التأويل في لغة القرآن. كما قال تعالى عن يوسف أنه قال: {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَاوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقاًّ} [يوسف: 100] ، وقال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53] ، وقال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} [النساء: 59] ، وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله.

وتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله تعالى بعلمها وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف كمالك وغيره: الاستواء معلوم. والكيف مجهول، فالاستواء معلوم يعلم معناه ويفسر ويترجم بلغة أخرى، وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم. وأما كيفية ذلك الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. وقد روي عن ابن عباس ما ذكره عبد الرزاق وغيره في"تفسيرهم"عنه أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها. وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء. وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل فمن ادعى علمه فهو كاذب. وهذا كما قال تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 7] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: (أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) (16) وكذلك علم وقت الساعة ونحو ذلك. فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به ونفهم من الكلام ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت