كما أنه - رحمه الله - بيّن من هم أهل السنة والجماعة على الحقيقة بأنهم الذين يتبعون الكتاب والسنة وما عليه سلف هذه الأمة ولا يلتفتون إلى ما خالف ذلك من أقوال الناس حيث قال: وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس، أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين. والذين يدّعون اليوم أنهم من أهل السنة والجماعة كثير ولكن عندما توزن أقوالهم وأفعالهم بهذه الأصول الثلاثة لا يتحقق انتسابهم لأهل السنة والجماعة لمخالفتهم لهذه الأصول كما عليه غالب الجماعات اليوم، وما عليه الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة في الاعتقاد والعمل.
ثم بين الشيخ - رحمه الله - موقف أهل السنة والجماعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن هذا الأصل حصل في مفهومه اختلاف بين مُفرط ومفرِّط فقال - رحمه الله: ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويعني - رحمه الله - بذلك مخالفة من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر على غير ما توجبه الشريعة كالمعتزلة الذين يفسرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأنه الخروج على الأئمة المسلمين، وشق عصا الطاعة، وهؤلاء لهم وارث، ولهذا قال: ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا، ويحافظون على الجماعات. ويدينون بالنصيحة للأمة ويعتقدون معنى قوله - صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) ، وشبّك بين أصابعه - صلى الله عليه وسلم - (54) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) (55) ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء. ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله - صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا) (56) ، ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. ويأمرون ببر الوالدين وصلة الأرحام وحسن الجوار والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل والرفق بالمملوك. وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو غير حق. ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفافها. وكل ما يفعلونه من هذا أو غيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة.
يشير الشيخ - رحمه الله - إلى تركهم البدع والمحدثات التي تفعل باسم الدين.
ثم أشار - رحمه الله - إلى حدوث الافتراق وموقف أهل السنة والجماعة منه حيث قال: وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، لكن لما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم: (أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة) (57) وفي حديث عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: روي من طرق يشد بعضها بعضًا. ومشاه ابن عبد البر، كما في (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) (58) ، صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى أولوا المناقب المأثورة والفضائل المذكورة، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة) (59) ، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم. وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا. ويهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب!