فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 400

واحد) (32) ، وهو الإسلام، وهو الاستسلام لله لا لغيره بأن تكون العبادة والطاعة له والذل وهو حقيقة لا إله إلا الله.

ولا ريب أن ما سوى هذا لا يقبل وهو سبحانه يطاع في كل زمان، بما أمر به في ذلك الزمان. فلا إسلام بعد مبعث محمد -صلى الله عليه وسلم- إلا فيما جاء به وطاعته، وهي ملة إبراهيم التي لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه، وهو الأمة الذي يؤتم به، كما أن القدوة هو الذي يقتدى به وهو الإمام كما في قوله: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] ، وهو القانت والقنوت دوام الطاعة، وهو الذي يطيع الله دائمًا. والحنيف: المستقيم إلى ربه دون ما سواه. وقوله: (من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا. ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا. ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) (33) ؛ فقرب الشيء من الشيء مستلزم لقرب الآخر منه. لكن قد يكون قرب الثاني هو اللازم من قرب الأول ويكون منه أيضًا قرب بنفسه. فالأول كمن تقرب إلى مكة أو حائط الكعبة فكلما قرب منه قرب الآخر منه من غير أن يكون منه فعل. والثاني كقرب الإنسان إلى من يتقرب هو إليه، كما تقدم في هذا الأثر الإلهي.

فتقرب العبد إلى الله وتقريبه له نطقت به نصوص متعددة. مثل قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [الإسراء: 57] ، {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الواقعة] ، {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين] ، {وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172] ، {وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} .

(وما تقرب إليَّ عبد بمثل أداء ما افترضته عليه. . .) (34) الحديث، وفي الحديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل الآخر) (35) فهذا قرب الربِّ نفسه إلى عبده وهو مثل نزوله إلى سماء الدنيا. وفي الحديث: (إن الله يدنو عشية عرفة. . .) (36) الحديث. فهذا القرب كله خاص، وليس في الكتاب والسنة قرب ذاته من جميع المخلوقات في كل حال. فعلم بذلك بطلان قول الحلولية فإنهم عمدوا إلى الخاص المقيد فجعلوه عامًا مطلقًا، كما جعل إخوانهم الاتحادية ذلك في مثل قوله: (كنت سمعه) (37) ، وفي قوله: (فيأتيهم في صورة غير صورته) (38) ، وأن الله قال على لسان نبيه: (سمع الله لمن حمده) .

وكل هذه النصوص حجة عليهم، فإذا فُصِّل تبين ذلك؛ فالداعي والساجد يوجه روحه إلى الله والروح لها عروج يناسبها، فتقرُب من الله تعالى بلا ريب بحسب تخلصها من الشوائب، فيكون الله -عز وجل- منها قريبًا قربًا يلزم من قربها، ويكون منه قرب آخر كقربة عشية عرفة، وفي جوف الليل، وإلى من تقرب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا. وفي"الزهد" (39) لأحمد عن عمران القَصير أن موسى -عليه السلام- قال: (يا رب أين أبغيك؟ قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم. إني أدنو منهم كل يوم باعًا ولولا ذلك لانهدموا) ، فقد يشبه هذا قوله: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. . .) إلى آخره (40)

وظاهر قوله: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186] ، يدل على أن القرب نعته ليس هو مجرد ما يلزم من قرب الداعي والساجد، ودنوه عشية عرفة هو لما يفعله الحاج ليلتئذٍ من الدعاء والذكر والتوبة. وإلا فلو قدر أن أحدًا لم يقف بعرفة لم يحصل منه سبحانه ذلك الدنو إليهم؛ فإنه يباهي الملائكة بأهل عرفة فإذا قدر أنه ليس هناك أحد لم يحصل؛ فدل ذلك على قربه منهم بسبب تقربهم إليه كما دل عليه الحديث الآخر.

والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم من التوجه والتقرب والرقة ما لا يوجد في غير ذلك الوقت، وهذا مناسب لنزوله إلى السماء الدنيا، وقوله: (هل من داع؟ هل من سائل؟ هل من تائب؟) ، (41) [انظر: صحيح البخاري (1145) ، ومسلم (758) من حديث أبي هريرة] " [انظر: صحيح البخاري (1145) ، ومسلم (758) من حديث أبي هريرة] "ثم إن هذا النزول هل هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت