فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 400

الله ورسوله) (34) ، ولهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق كالكعبة ونحوها. ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن السجود له، ولما سجد بعض أصحابه نهاه عن ذلك، وقال: (لا يصلح السجود إلا لله) . وقال: (لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) (35) ، وقال لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه-: (أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجدًا له؟) قال: لا. قال: (فلا تسجد لي) (36)

ونهى - صلى الله عليه وسلم- عن اتخاذ القبور مساجد فقال في مرض موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ، يحذر ما فعلوا، قالت عائشة - رضي الله عنها-: ولولا ذلك لبرز قبره (37) ، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا. وفي الصحيح (38) عنه - صلى الله عليه وسلم- أنه قال قبل أن يموت بخمس: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا بيويكم قبورًا(39) . وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني). ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المسجد على القبور. ولا تشرع الصلاة عند القبور، بل كثير من العلماء يقول: الصلاة عندها باطلة. والسنة زيارة قبور المسلمين نظير الصلاة عليهم قبل الدفن، قال الله تعالى في كتابه عن المنافقين: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ} [التوبة: 84] ، فكان دليل الخطاب أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم- يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: (السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين. وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين. نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم. ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم) (40)

وذلك أن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان التعظيم للقبور بالعبادة ونحوها، قال الله تعالى في كتابه: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح] ، قال طائفة من السلف: كانت هذه أسماء صالحين فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم وعبدوها. ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم- عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها؛ لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام. فلا يشبَّه بيت المخلوق ببيت الخالق. وكذلك الطواف والصلاة والاجتماع للعبادات إنما تقصد في بيوت الله وهي المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. فلا تقصد بيوت المخلوقين فتتخذ عيدًا. كما قال - صلى الله عليه وسلم-: (لا تتخذوا بيتي عيدًا) (41)

كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملًا إلا به ويغفر لصاحبه، ولا يغفر لمن تركه، وكما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء] ، ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه؛ فأعظم آية في القرآن آية الكرسي (42) : {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة: 255] ، وقال - صلى الله عليه وسلم-: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) (43) . والإله: الذي يألهه القلب عبادة له واستعانة ورجاء له وخشية وإجلالًا وإكرامًا.

ثم بيّن الشيخ (44) - رحمه الله- موقف أهل السنة من العمل بالكتاب والسنة فقال: ومن ذلك الاقتصاد في السنة واتباعها كما جاءت بلا زيادة ولا نقصان، مثل الكلام في القرآن وسائر الصفات. فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. منه بدأ وإليه يعود؛ هكذا قال غير واحد من السلف. والقرآن الذي أنزله الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم- هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم وهو كلام الله لا كلام غيره، وإن تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم. فإن الكلام لمن قاله مبتدئًا لا لمن قاله مبلغًا مؤديًا. قال الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ} [التوبة: 6] ، وهذا القرآن في المصاحف كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} [البروج] ، والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه، كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت