فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 400

تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف: 5] ، وقال تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق] ، وقال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ} [النمل] ، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ} [التوبة: 79] ، ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلًا يستحق هذا الاسم كما روى ابن عباس: أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار فيسرعون إليه فيغلق، ثم يفتح لهم باب آخر فيسرعون إليه فيغلق فيضحك منهم المؤمنون. قال تعالى: {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المطففين] .

ومن الأمثلة المشهورة (227) لمن يثبت المجاز في القرآن: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] قالوا: المراد به أهلها فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فقيل لهم -يعني في الرد عليهم-: لفظ القرية والمدينة والنهر والميزاب وأمثال هذه الأمور التي فيها الحالُّ والمحالُّ كلاهما داخل الاسم، ثم قد يعود الحكم على الحالُّ وهم السكان، وتارة على المحل وهو المكان، وكذلك في النهر يقال: حفرت النهر وهو المحل وجرى النهر وهو الماء. ووضعت الميزاب وهو المحل، وجرى الميزاب وهو الماء. وكذلك القرية. قال تعالى: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل] ، وقوله: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَاسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَاسُنَا إِلاَّ أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف] ، وقال في آية أخرى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ} [الأعراف] ، فجعل القرى هم السكان. وقال: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد] ، وهم السكان، وكذلك قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} [الكهف] ، وقال تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة: 259] ، فهذا المكان لا السكن، لكن لا بد أن يلحظ أنه كان مسكونًا، فلا يسمّى قرية إلا إذا كان قد عمر للسكنى، مأخوذ من القَرْي وهو الجمع، ومنه قولهم: قريت الماء من الحوض إذا جمعته فيه.

ونظير ذلك لفظ (الإنسان) يتناول الجسد والروح، ثم الأحكام تتناول هذا تارة، وهذا تارة لتلازمهما. فكذلك القرية إذا عذّب أهلها خربت، وإذا خرجت كان عذابًا لأهلها، فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر كما ينال البدن والروح وما يصيب أحدهما، فقوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] مثل قوله: {قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً} [النحجل: 112] ، فاللفظ هنا يرد به السكان من غير إضمار ولا حذف، فهذا تقدير أن يكون في اللغة مجاز فلا مجاز في القرآن.

بل وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز مبتدع محدث لم ينطق له السلف، والخلف فيه على قولين. وليس النزاع فيه لفظيًا، بل يقال: نفس هذا التقسيم باطل لا يتميّز هذا عن هذا، ولهذا كان كل ما يذكرونه من الفروق تبيّن أنها فروق باطلة، وكلما ذكر بعضهم فرقا أبطله الثاني. وقولهم: اللفظ إن دلّ بلا قرينة فهو حقيقة، وإن لم يدل إلا معها فهو مجاز قد تبيّن بطلانه، وأنه ليس من الألفاظ الدالّة من يدلّ مجرّدًا عن جميع القرائن، ولا فيها ما يحتاج إلى جميع القرائن.

وأشهر أمثلة المجاز لفظ الأسد والبحر، ونحو ذلك مما يقولون: إنه استعير للشجاع والبليد والجواد، وهذه لا تستعمل إلا مؤلفة مركبة مقيّدة بقيود لفظية كما تستعمل الحقيقة؛ كقول أبي بكر الصديق عن أبي قتادة لما طلب غيرُه سلبَ القتيل: لا ها الله إذًا يعمد إلى أسد من أُسُد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه (228) ، فقوله: يعمد إلى أسد من أُسد الله يقاتل عن الله ورسوله؛ وصف له بالقوة للجهاد في سبيله،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت